أحيانا يضع الإنسان قدمه أو قلمه في موضع شائك فلا يكاد يستطيع التخلص إلاَّ بشق الأنفس كما هو حالي مع هذا الموضوع الذي وجدته يحاصرني بل ويستولي على تفكيري أمر يحيرني فهمه ويستعصي عليَّ حتى كيف أقدمه للقارئ الكريم.
ورغم محاولتي عقد مقارنة بينه وحالات أخرى يمكن التوصل إلى فهمها لم أجد سبيلا إلى كيفية الوصول إلى حقيقة نجاحها من فشلها ، فقلت في نفسي لأشرع في الكتابة لعلني أهتدي أو تصادفني فكرة أثناء الكتابة .
إنه يتعلق بكيفية التحقق من النجاح أو الفشل التربوي في الجوانب المتعلقة بالمُثُل و الأخلاق والتعامل الإنساني .
فمثلا يمكن التحقق من أن المنشأة الفلانية قابلة للبقاء لفترة كذا في الحالات الطبيعية بناء على معطيات منها صلابة الأرض المقامة عليها المنشأة والمواد التي تم التشييد بها من حيث القوة والجودة وأدوات السلامة التي تم إدخالها لحماية المنشأة إضافة إلى الدراسة الفيزيائية و الكيميائية والجيولوجية وحتى الحالات المتعلقة بالزلازل فيمكن القول أن زلزال بدرجة كذا لا يلحق الضرر بتلك المنشأة .
ولكن كيف يمكن لنا مثلا التحقق من نجاح التربية وطبعا أنا لا أقصد هنا التربية المتعلقة بسوق العمل فتلك لها مقاييس تتعلق بنجاحات المشاريع وفشلها فإن وفقت مخرجات التعليم في رفع مستوى المشروعات المعدة لها أعتبرت الإستراتيجية ناجحة والعكس صحيح
ولكن كيف لنا أن نطمئن على نجاحات الجانب التربوي السلوكي في المثل والاخلاق ؟ ما هي المعايير التي تقاس بها الجوانب الروحية والاجتماعية والإنسانية التى لا تظهر إلا بمرور قدر من الزمن يكون فيها الأمر قد أحدث تأثيرا على حياة الأمة ؟
أليست هناك آلية يمكن أن تعطينا إشارة على مواطن الضعف والقوة في هذا الجانب من العلم الإنساني؟
هذا التساؤل كثير ما يراودني حين يدور النقاش في المجتمع حول ظاهرة معينة إن كانت على مستوى المجتمع أو حالة إن كانت على مستوى ضيق
فيأتي من يقول لحظتها هذا فشل في التربية.
ولكن المعلوم أن التربية السلوكية بالمفهوم الذي نتحدث عنه تكون فيه الأسرة صاحبة السيادة والحكومات تأتي مكملة لأن الحكومات وخاصة العصرية منها أكثر ما يهمها علوم المادة أكثر من جوانب المثل والاخلاق وما يتعلق بالجانب الروحي لأنها أي الحكومات في العالم تتشابه في التوجهات رغم اختلاف شعوبها وثقافاتهم ومن هنا فهي لا تعنى كثيرا بالجوانب السلوكية إلا بالقدر الذي يحقق لها مصالحها وغايتها وبنسب تتفاوت حسب قربها أو بعدها من حس مجتمعاتها وبقدر رغبتها في الاندماج بالنظام العالمي ولذلك فإن المجتمع هو المسؤول الأول عن ارتقاء الجانب السلوكي أو انحطاطه ولمَّا كانت الأسرة هي اللبنة الأولى في المجتمع فإن صلاحه أول ما يقع عليها وأساس الأسرة الأب والأم ومن ثم فصلاح الأمة كلها يبدء من صلاح الآباء والأمهات وفسادها من فسادهم ومن هنا حث النبي صلى الله عليه وسلم في قوله ( فاظفر بذات الدين تربت يداك)
ثم لا بد من الإشارة الى
إن التحولات التي تحدث في المجتمعات سببها الأول الهيمنة الكاملة من الحكومات ودمجها القسري للمجتمعات المحلية تحت حجة توسيع مفهوم المواطنة.
والسبب الآخر سحب صلاحية تلك المجتمعات في اختيار الأصلح لها بحجة تعميم الثقافة الوطنية
والسبب الثالث الاستيلاء من قبل الدول على مفهوم التربية وربطها بالتعليم ليتم صياغة عقل الإنسان فيها وفق مرئيات عامة اول ماتحققه مصالح الحكومات.
كل ذلك عطل طاقات هائلة كان يمكن المحافظة عليها وتدعيمها لتبقى شعوب الأرض بعيدة عن الشطط والتوترات .
وحتى لا نشطح أكثر مما فعلنانعود بما قد بدأناه
ما هي الآلية التي يستشعر بها نجاح التربية خلقيا وروحيا باعتبارهما ركيزتين أساسيتين في تقويم سلوك الأمم؟
إنني أتصور وربما أكون في تصوري هذا صائبا أو لا أكون
إنه بقدر ما تزداد فيه مسؤولية الفرد وتأثيره في تغيير الواقع وبقدر ما يكون المجتمع مديرا لشؤونه الحياتية وبعبارة أخرى بقدر ما تتوسع فيه صلاحية الفرد في المجتمع ويكون للمجتمع مساحة من الحرية في اختيار ما يراه الأصلح بقدر ما تتضح من خلاله الاستقامة أو الانحراف ، لانه كلما ضاقت مساحة الجغرافيا وتوزعت عليها المسؤوليات المجتمعية كلما كان بالإمكان رصد أو لمس حالات التغير التي نحن بصدد معرفتها في الوقت المناسب ، وذلك يتيح للمجتمعات الصغيرة تصويب مسار حياتها.
فمثلا حين كانت مجتمعاتنا المحلية مترابطة متعاونة وكانت تدير نفسها بنفسها وكانت هناك أعراف وعادات وتقاليد لا يكاد يختلف عليها اثنان وكان كل فرد في المجتمع معنيا
بالحفاظ على قالب ونمط الحياة المتعارف عليه كان الأطفال في البلدة الواحدة يعتبرون كل كبير في البلدة أباهم له الحق أن يربيهم ويؤدبهم واذكر أنني كنت في سن السابعة وكنت معتقدا أنني في مكان خال قمت بحركة أشبه ما تكون اليوم بالتسخين الرياضي قبل بدء اللعب فإذا بشخص يمر بالقرب مني حاملا مسحاته ومجز في يده ودشداشته في منكبه مستعدا ربما للقيام بعمله أو فارغا منه فقال لي (ما يليق بك وانت ابن شيوخ تقوم بهذه الحركات ) فمع كونه رجل بسيط في جانبه المادي لم يتخلى عن دوره التربوي بغض النظر عن صحة توجيهه لي من عدمه وكانت كل امرأة أمَّا في البلدة حتى أن المرأة كانت إذا دخلت منزلا ووجدت طفلا يبكي في غياب أمه أرضعته وذلك ما يفسر توسع حالات الأخوة من الرضاعة في السلطنة ، إذ لم تكن الأبواب تغلق على الجار والقريب و لم تكن خصوصية التربية والأدب محصورة في الحيز الضيق كما هو الحال اليوم ( إن كان فيك خير هذب اولادك وربيهم ما عليك من اولادي) مقولة الجار لجاره والاخ لأخيه .
كان ترك صلاة العشاء وهي الأثقل للصغار يشكل لهم كابوسا في الليل لتقول الام لولدها حين يخبرها ( لأنك ما صليت العشاء)
كان الاختلاط في مدارس القرآن الكريم سائدا لم تستنكره الأسر لأنها على معرفة بالأسس التى تربي عليه صغارها ، كان الناس يتعاونون في كل شيء حتى في تشييد المساكن وزراعة المحاصيل وحصادها وكان الجار يسترعي جاره في غيابه عن أسرته .
لذلك كانت الفضيلة تتسع رقعتها والرذيلة تتلاشى
كان كل فرد في المجتمع يعتبر نفسه حارسا وحارثا ومؤدبا في آن معا وكل امرأة كانت أما وأختا ومربية.
ولعلَّ بعضا من بقايا ذلك السلف ما يعيننا اليوم على إصلاح الكثير من شؤون حياتنا والذي ما زلنا نتمسك به ويميزنا عن دول ومجتمعات أخرى متمنيا إعادة النظر في كيفية إعادة بناء الفرد والأسرة بما يحقق الاستقرار النفسي والروحي وبما يكبح جماح النفس قليلا عن الحياة المادية المتلبسة برذائل الشيطان وحب الشهوات والتي مع الأسف الشديد قد استولت على عقول الناس وأفكارهم إلا من رحم اللهُ.
والله أسأل لي والقارئ الكريم التوفيق والسداد.
غصن بن هلال العبري
السادس من ذي الحجة ١٤٣٨ للهجرة
الثامن والعشرين من أغسطس ٢٠١٧ للميلاد


أحدث التعليقات