السَّمْت (بفتح السين) كلمة عربية تعني الطريق الواضح، القصد، الهيئة الحسنة، والوقار. ويُستخدم المصطلح للإشارة إلى سيرة الإنسان المستقيمة وحسن منظره ومذهبه في الدين والدنيا (مثل “حُسن السَّمْت”) كما يأتي بمعنى الاتجاه ، وعلى العموم السمت هو مجموعة من القيم المادية والمعنوية تأصلت في مجتمع ما على مدى قرون طويلة فأضحت عنوانا ملازما لذلك المجتمع. ، وينسب السمت إلى مجتمع معين حين يصبح السمة الغالبة عليه.
فكيف يعرف السمت أو ما هي ضوابطه بالنسبة لنا نحن في سلطنة عمان؟
يمكن معرفة السمت بالسلوك وكان في الماضي يطلق عليه أحيانا ب (السَّنَعْ)
خاصة إذا تم اختراق السلوك بما يشينه فيقال فلان ما فيه سنع .
ولو أردنا طرح أوعية أو قوالب تنبني عليها مفردات وأنماط السمت سنجد
إن المظلات التي تشكل حاضنة للسمت هي : البيت ، المدرسة ،المسجد ، السبلة أو المجلس ، الحارة ، السوق ، اللباس ، والطريق
ففي البيت يبدأ تشكل السمت من خلال أدب الحديث مع الوالدين والاخوة وكافة أفراد الأسرة ، ثم في أدب الطعام من حيث تقدير النعمة والحمد عليها وعدم أخذ الطعام بنهم وعدم تقدم الأكبرعلى الأصغر – باستثناء الذين لا يخدمون أنفسهم في الطعام فأولائك لهم التقدمة – وفي حث الأطفال على الانضباط في السلوك داخل البيت من مثل احترام الكبير والعطف على الصغير وتنمية العاطفة الإيمانية المتمثلة في أن كل عمل حسن يقابل بالأجر وكل عمل سيء يقابل بالعقاب ، كما أن رب الأسرة مسؤول عن بلورة موقع الطفل في المجتمع بحيث أنه حين يخرج من البيت إلى المدرسة يعرف موقعه الإجتماعي فيكون بذلك منسجما مع أقرانه .
ثم في المدرسة وهي أول محطة من محطات الحياة يخرج الطفل إليها من البيت وإذا أردنا التمثيل وتصورنا الطفل طائرا ينتقل لأول مرة من عشه ليختلط مع بقية الطيور فإنه بحاجة إلى أن يتأقلم مع المحيط الجديد .
وفي المدرسة يبدأ اكتساب المهارات وأول مهارة هي التعامل مع المحيط المتمثل في الأقران والمدرسين والمنشآت المدرسية بدأ من الطابور الصباحي ثم في الترحيب بالأستاذ وسماع توجيهاته وإطاعة أوامره ونواهيه داخل الصف وفي الحفاظ على النظافة العامة ثم في تلقي المعارف والحرص على الاستيعاب وإنجاز الواجبات أولا بأول ومعرفة أنه في طور الثواب والعقاب ، ليترسخ في فكر الطالب أو الطالبة أن حياة المدرسة إن هي إلا أنموذج مصغر للحياة العامة .
أمَّا المسجد فهو الجامعة الروحية يؤم إليه كل سكان القرية وفيه يقوم الفتى
بتطبيق ما قد تلقاه في المدرسة والبيت من شروط الصلاة و أحكامها بل فوق ذلك يرى كيف لتلك الجموع في المسجد تصطف في أقل من دقيقة موحدة الاتجاه عبادة ومعبودا عارفين بأقدمية بعضهم على بعض فترى الكل يقف في موضعه .
وما أن يخرج المصلي من المسجد إلا ويتجه الى السبلة أو المجلس وهناك ينتظم العقد الإجتماعي ويعرف كل فرد موقعه ويبدأ الحديث فيما يهم مصالح القرية أو الحارة أو الحي فإن كانت هناك مشكلة تم حلها أو حاجة الى خدمة تم الاتفاق على طلبها في أسلوب رفيع .
أمَّا في الحارة يكون للمجتمع دور هام في تقويم وتقييم الصغار حينما ينظر الكبار الى الصغار على أنهم كأبناء الرجل الواحد في البيت فإذا ما لاحظ خروجا عن المألوف سارع إلى التنبيه والتصحيح فلا يلومه أحد على ما قام به ، بل قد يذهب الأب أو الأم لتقديم الشكر إلى مسدي النصح والإرشاد ، لتصبح الحارة نواة للمجتمع الفاضل.
وفي السوق حيث البيع والشراء والكراء والإكتراء فهناك تتجلى القيم وهناك يظهر معنى السمت ، فبمقدار ما يتحلى به المجتمع من أخلاق وقيم تراها في السوق ، ففي السوق الغني والفقير والذي بينهما ، فلا تجد في السوق محتكرا ولا محروما و ترى التجار وأهل الحرف والمهن والمتسوقين في انسجام عجيب.
ولعل اللباس وهو أحد مظاهر الحياة يعكس جانبا من السلوك المادي والقيم المعنوية الذي يشترك فيه الجميع وتنوع اللباس بين ماهو لستر الجسم وما هو فوق ذلك حتى يصل الى أرقى أنواع المنسوجات لكن المتعارف عليه أن ألبسة المرء داخل بيته غير الذي يخرج به ويلتقي به الناس في الأسواق والمساجد والمجالس لذلك ينبغي على الفرد أن يراعي الحد الأدنى من الذوق فيما يرتديه حال خروجه لأن ذلك يكون مصدر استحسان أو إستهجان وما أحوج الفرد أن يظهر بالمنظر الحسن لأنه وجه من وجوه الجمال.
وأخيرا من سمات السمت تظهر في الطرقات من خلال الالتزام بالقواعد
المرورية واحترام حقوق الآخرين وتقديم العون للمحتاجين لا سيما في الأماكن المنقطعة او في الأوقات الحرجة.
الخاتمة :
قد يتسائل القارئ الكريم عما دعاني إلى كتابة هذا المقال حول السمت .
لقد شد انتباهي مؤخرا الحديث عن السمت العماني وتميزه وكأنما هو دون غيره من المجتمعات مازال صامدا في وجه التغيرات المتلاحقة.
الشواهد تشير الى أن السمت العماني تتعرض أعمدته الى التآكل فلا يكاد يسلم من ذلك جانبا من جوانب الحياة
بدأ من البيت وانتهاء الى الطرق
ففي البيت قد تلاشى أو كاد أن يختفي دور القدوة مما انعكس معه على أفراد الأسرة فلا اجتماع للأسرة الا نادرا، ووجبات أكلهم -إن وجدت- فلا يلتقي عليها أفراد الاسرة ، واوقات العبادة لا تكاد تعرف عند الجميع والعودة الى المنزل لا يحدها زمن ليلا أو نهارا والحديث بين أفراد الأسرة صار شبه معدوم .
والمدرسة وما أدراك ما المدرسة ذهبت قدسيتها وأصبح المعلم مع تلاميذه كأنما يمشي على الشوك فلم تعد تلك الهيبة ولا المحبة بين الطالب والمعلم بل ربما يكون الحاسب الآلي أقرب الى نفس الطالب من أستاذه.
وإن ذهبت الى المسجد ترى العجب من تصدر الفتية في الصفوف على من هم في درجة أجدادهم بحجة تشجيعهم على الصلاة .
والمجالس ليست بأحسن من المساجد حالا .
أما الأسواق ففيها الطامة الكبرى مما يشاهد من سلوك أبعد ما تكون عن القيم وأخيرا الطرق هل بقي فيها ما يوحي بوجود السمت ؟!
وخلاصة القول أن الحديث عن السمت بإضافته إلى أي مجتمع هو من باب التسلي أو التغني بما لا وجود له فالعولمة لم تترك لأي مجتمع خصوصية بل إن القيم باتت تصاغ من الأمم الأقوى وتفرض على الشعوب الضعيفة.


أحدث التعليقات