خطوات وأدلف الى بابها المتجه الى الجهة الشمالية لم تكن ساقية الفلج قد سقفت بعد ، ليس بها من زخارف هذا العصر ، ولا حتى من بعضه ، جدرانها من الطين ، وفراشها من الحصر ، وسقفها من جذوع النخل وجريده ، ليس بدعا فحالها كحال أخواتها .
وضعت قدمي اليمنى داخلها والتفت نحو الغرب ، الجزء الأكبر والاطول منها ،
هناك في رأس الجلسة عمالقة من الرجال تكاد هاماتهم تعانق السماء ، تخال أنك قد دخلت على صحابة رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم.
كانت طويلة المساحة لكنها متقاربة الأضلاع تشتم فيها روايح العطور المتسللة من البساتين المحيطة بها .
ألقيت السلام على جهابذتها وأولادهم وانا ابن العشر سنوات ، بدأت أصافح من كانوا الأقرب الى الباب وكان بعضهم من أترابي وأنا أتعمق داخلها كأني أنظر الى جبل بتفاوت أطوال الشخوص حتى لتكاد كُمَّتي تسقط من رأسي.
كان الفخر يتلبسني وأنا أمد يميني وشمالي مصافحا أيديهم الطاهرة الندية بطيب العودوالورد ، إنني الان بين يدي ابن عامر ابن سليم محمد ، وابن خميس ابن ناصر محمد ، وابن نجيم ابن سليم سليمان ، وابن حامد بن سيف حمدان ، وأبا البدر سالم ابن هلال ، وأبا العاصم سعيد ابن هلال.
اولائك الكبار المتصدرون للجلسة في سبلة الغاربي ، صورة في ذهني عالقة منذ ستين عاما ونيف كم تمنيت لو توقف الزمن عندها.
نعم لم يكن الفراش بها وثيرا ، ولم تكن أقمشة أولائكم الرموز تشع بالبياض ،
لكن قلوبهم كانت لنا ألطف من الحرير ،
وأصفى من ماء النمير ، كانت كلماتهم موجزة ، لكنها منجزة ، كانت سبلة الغاربي أشبه بالمسجد ، لا سيما واولائك متصدرون لها ، فلا غرابة أن يأتي من ذريتهم أفاضل زماننا علما وعملا مصداقا للآية الكريمة ( وكان أبوهما صالحا) ولئن كنت قد ذكرت من علقت ذاكرتي بهم فهم كذلك مثلما أضحوا آباء وأجدادا كانوا أبناء وأحفادا ، ذرية بعضها من بعض ، فلم يحالفني الحظ أن أشهد جدي علي ابن هلال بن سالم ، وجد والدي مانع ابن أحمد ، وأبا هلال عبدالله ابن نجيم ، وابا ناصر محمد بن سيف الغاربي ، وأبا عبدالله سالم ابن عبود ، وأبا ناصر سيف ابن حمد ، وأبا سالم سعيد ابن خميس ، وغيرهم ممن قد تكون ذاكرتي غفلتهم .
فإليهم التحية أزفها أحياء وأمواتا ممتنا لهم أنني كنت طفلهم المقرب المحبوب ،
تسللت إلى بيوتهم وغرفهم ، وكثيرا ما شاركتهم أطعمتهم ، فلا يكاد بيت من بيوتهم إلا وأعرف مرافقه ، فقد رزقني الله سبحانه وتعالى لسانا ومنطقا منذ طفولتي أفتح به المغاليق فكيف بقلوب مشرعة بالحب ، فكنت في موضع الترحيب ، بل إن بعض الجدات رحمة الله عليهن كن يتعمدن مناداتي من نوافذ غرفهن بالدخول ، فالحمد لله على تلك النعم التي قد حبيت بها والتي لها الفضل فيما أتمتع به من رضى النفس وسلامة الطوية .
سبلة الغاربي منا سلاما
واحتراما للأولى أنشأوك
والألى بعدهم وفوك عهودا
فلكم بجهودهم وسَّعوك
غير أن الزمان جاء بما لا
يتسع فاعذريهم اذا تركوك
غصن بن هلال بن محمد العبري



أحدث التعليقات