حكاية رواها صاحبها قائلا :
لم أكن قد أمضيت سوى بضع شهور في مؤسسة تكاد تعنى بمفاصل الحياة في جميع جوانبها الاجتماعية والثقافية والصحية وليست بعيدة عن الجوانب الأمنية وكانت وظيفتي تحتل من الهيكل التنظيمي الموقع الثاني بعد المسؤول الاول. ،ومع أنني لم أكن جديد العهد على العمل الإداري فقد اكتسبتُ خبرة تجاوزت الخمس سنوات ف مؤسستين سابقتين ، لكن العمل في المؤسسة ذات الحديث هنا أشمل وأكثر تعقيدا باعتبار صلته المباشرة بالحياة اليومية للمجتمع.
وشاءت الأقدار لي أن أُرمى في معترك يمكن وصفه بالشجار القبلي حول موقع تنوي الحكومة إقامة مشروع عليه وكانت إحدى تلك القبائل تدعي بتلك المنطقة أنها من الحوزات التابعة لها وهي ترفض إقامة المشروع عليها لأنه يخدم أناسا من قبيلة أخرى ليست على وفاق تام معها والذي زاد من تعقيد المشكلة أن القبيلتين تعودان إداريا الى جهتين اثنتين لا الى جهة واحدة مما يصعب معه معالجة المشكلة لإختلاف وجهات النظر وربما أنَّ كل جهة تود إرضاء الطرف الذي يخصها .
سير الأحداث:
وحين عزمت الجهات ذات العلاقة على إقامة المشروع استجابة لحاجة المجتمع
ووضعت الخرائط وبدأ البحث عن الموقع كان لإحدى القبائل موقف بعدم الموافقة على إقامة المشروع رغم اختيار أكثر من موقع تلافيا للخلاف .
في حين أن الجهة المستفيدة ترى في ذلك تعطيل متعمد لغاية في نفس يعقوب ( فرض تبعية) مما حدى الطرف المنتفع أن يبدي استعداده للشروع في بدء المشروع تلبية لحاجته الملحة على نفقته ، الأمر الذي أثار الطرف الآخر الذي يبني اعتراضه على أمرين الاول ادعاء الحوزة والثاني للذي تمت الإشارة اليه.
شرع الطرف المعارض لتقديم اعتراضه الى الجهة التي تمثله إداريا وجرت الاتصالات على مستوى المسؤولين اللذين اتفقا على اللقاء في الموقع وتحدد اليوم والوقت وقبل ساعتين حدث أن أعتذر المسؤول عن الجهة المعارضة وأرسل الشخص من المستوى الثاني وهنا كانت اللحظة الفارقة :
فعلى حين غرة طلب مني المسؤول ان أتوجه الى حيث المشروع لمقابلة نظيري
وعلى الرغم من محاولة الاعتذار لأسباب في مقدمتها قلة الخبرة في معالجة قضايا كتلك لكن المسؤول أصر عليَّ
ولم أجد بداً من إطاعة الامر وأخذت معي شخصين يصحبانني لأن الطرق وعرة والمسافة تصل الى مسير ساعتين.
وقد كنت أول الواصلين الى حيث المشروع وبعد حوالي نصف ساعة وصل الفريق الآخر المصحوب بحوالي مائة شخص .
بدأت المشاورات والمباحثات التي اقتصرت على المسؤولين دون غيرهم
حول وقف العمل بالمشروع والبحث عن موقع بديل وانتهت دون اتفاق على شيء سوى أنهما اطلعا وسيرفعان تقريريهما للجهات الأعلى .
وكان لا بد للطرف المعارض أن يطلع مرافقيه على ما اتفقا عليه فعددهم كثير ولا يمكن أن يعود بهم دون أن يعرفوا عما جرى واتفق عليه ، فأخذ يحدثهم ، إلَّا أنهم كانوا قد تم شحنهم بأن المشروع سيلغى وسيتم اقتلاع ما تم وضعه على الارض فاختلط الحديث وارتفعت وتيرته وكاد أن يخرج الحال عن ايطاره فما كان لي الا أن استأذن من نظيري وانسحب من الموقع حفاظا على نفسي والشخصين اللذين معي وقفلت راجعا تاركا تلك الجمهرة لتقرر ما تراه مناسبا ، معتبرا أن ذلك المشروع حكومي ، و ينشأ على أرض حكومية ولا علاقة لأحد به الا من حيث النفع المنتظر ، وحال وصولي أخبرت المسؤول بما حدث وأمرني بكتابة تقرير.
بينما الطرف الآخر صعَّد الأمر الى أكثر من جهة أمنية ومدنية إلا أن أيِّ من تلك الجهات لم توجه لي أي سؤال مباشر حول الامر وقد أقيم المشروع وتوسع وهو اليوم شاهد على وصول التنمية في السلطنة في السهل والجبل.
بقي أن يعرف القارئ أن لكل شيء ثمن فما هو الثمن الذي دفعته إزاء موقفي ، اول الأثمان أنني بعد فترة وجيزة أصبحت تحت مسؤولية نظيري الذي التقيته عند موقع المشروع
وثاني الأثمان تجميد ترقيتي ودرجتي لمدة ما يقارب ثمانية عشر عاما .
لكن المشروع قد تم إنجازه في موقعه وفي الفترة المحددة وذلك ما كان يسليني فلم يكن المشروع إلا مدرسة أجزم أنها قد خرجت رجالا أسلموا في خدمة وطنهم …. إنتهى كلامه
وحينما سألتُه عما إذا كان يشعر أنه أخطأ في إصراره على بقاء المشروع؟ أجاب قائلا لو حدث مثل ذلك مع آخر يوم لي في الوظيفة لن يكون لي الا ذلك الموقف ، فعلى الانسان أن يكون على قدر المسؤولية التي يتحملها وإلا فليتركها .
الخاتمة :
هذه الحكاية بما حوته من أحداث ونتائج تبرهن بأنه مهما بدا للعيان
أن مجتمعاتنا تتسم بالتسامح والاحساس بالمسؤولية وأن الدولة تعمل كمؤسسات فإنها في جوهرها ما زالت أبعد ما تكون عن الوصول الى المستوى المأمول .
فكيف يسمح لأي كان المعارضة من إقامة مشروع تنموي على أرض خالية من أية موانع ثم كيف يلحق الضرر بمن يعمل على تسريع حركة التنمية في وقت فيه المجتمع في أمس الحاجة الى تلك الخدمة .
نسأل الله سبحانه أن يهدي الجميع ويوفقهم لخدمة الوطن إنه سميع مجيب


أحدث التعليقات