
الصمت المهيب
على مدى خمسين عاما وأكثر وأنأ أشارك الناس في مجالس العزاء وعلى اتساع خارطة سلطنة عمان ، وقلما يفوتني عزاء
لشخصية عمانية ذات مكانة إجتماعية بحكم علاقاتي ووظيفتي التي تحتم علي المشاركة سواء في مركز الولاية التي أعمل بها أو في الولايات المجاورة لها.
ولقد تنقلت بين عشر ولايات ولا تكاد ولاية تخلو من حدود قريبة مع ولاية أخرى مما يستدعي التواصل في حالات الوفيات.
وأحيانا يلفت إنتباهي أن تكون مجالس العزاء كمهرجان هذا يضحك مع هذا وهذا ينكت مع هذا وهذا يصافح الناس
وكأنه لا يصافح لإنشغاله مع من يجلس بجانبه ، وقليل جدا جدا أن تجد مجلسا يخلو من تلكم الحالة التي وصفت حتى لقد كدت ان أسلم بمقولة أن العزاء تسلية لذوي ألمتوفي .
لكنني ولأول مرة أدخل مجلس عزاء مملوء بالبشر ولا أرى فيه أو أسمع إنسانا يتحدث مع إنسان بصوت يمكن أن يسمع ، إنه مجلس عزاء الشيخ عبدالله بن حمدون بن حميد الحارثي رحمه الله تعالى ، فقد عجبت من ذلك ، فلو أن الصمت كان مقتصرا على ذوي الفقيد لقلت أن ذلك وارد حدوثه فتفوسهم وخواطرهم ليست بأريحية الاستطراد في الحديث ، لكنني رأيت الجميع كأنما هم متواصون بالصمت ، ولم أستطع أن أطيل البقاء معتذرا لأصحاب العزاء بأن لي عودة أخرى حينما تخف وطئة العزاء.
ولقد كتمت ما قد شعرت به دون أن أبديه لكنني وجدت أن ما قد لاحظته يشاركني فيه الكثير ممن حضروا مجلس العزاء ، وهنا أدركت أن ذلك الصمت المهيب يعكس حقيقة مشاعر المعزين وأن تأثرهم بوفاة الشيخ ابن حمدون فاق حد المجاملات السائدة لما للشيخ من إرث في العلاقات بصفة مباشرة أو غير مباشرة. فلم يكن الشيخ فقيد أهله أو قريته أو محافظته فحسب بل فقيد وطن وفقيد عصر وفقيد أمَّة لما كان يمثله ويتمسك به من قيم ، إذ بقي كالقلعة الشماء المعنية بالحفاظ على معاني السمت العماني الذي تميزت بها سلطنة عمان وحافظت عليه لقرون مضت.
فلم يكن إذا حزن أولائك المعزين وصمتهم إلا لشعورهم بثقل الحمل الذي خلفه الفقيد كمن يكون محاولا أن يحمل شيئا أكثر من طاقته فيبقى حائرا صامتا يقلب في فكره من سوف يعينه على حمله.
رحم الله الشيخ عبد الله بن حمدون
وأعان أسرته وألهمهم الصبر والسلوان. والقدرة على استلام الراية من بعده.



أحدث التعليقات