قبل أن أشرع في كتابة كلماتي المتواضعة هنا ، عليّ أن أقرَّ أنني على بعد أميال من شاطئ بحر العلم بجميع أبوابه ناهيك عن علم القرآن الكريم ، ولكم كبحت عنان النفس الأمارة عن خوض غمار غير مؤهلة له ، وما زلت معها على ذلك النهج .
ولعلَّ ما دفعني اليوم لكتابة هذه السطور إنما هو الحس الغيور على قلعة ظلت صامدة منذ عهد الخلفاء الراشدين ، صمدت لأن المدافعين عنها نذروا أنفسهم لله تعالى لا للتباهي والجاه ، وتسلحوا بالإيمان قبل العلم ، واجهدوا انفسهم في فهم النصوص ، واشتغلوا بتحصين أنفسهم عن أن تقع في براثن الفتن ، حتى أعيت أعداءها كيف يسمونها ، فمع كل موجة من الخلاف معهم يطلقون عليها إسما أو وصفا بعيدا عما وسمت به نفسها.
مرجعية تصمد الفا وأربعمائة عام أمام كم هائل من المخالفين لرؤيتها لدليل على أنها تسير على منهج من الحق مستقيم ، غير مكفرة ولا مفجرة ، تنشد الحق وتستقيم عليه ، ومن ذلك استمدت إسمها ، تلتقي مع الاخرين في مسائل وتختلف معهم في أخرى ، تمكنت من فهم الأحداث منذ وقت مبكر فبرئت من الدموم وعرفت حجمها فابتعدت عن المستقبل المشؤوم.
الا ان الملاحظ في السنوات الأخيرة بدأت تتآكل أسوار تلك القلعة الحصينة نتيجة طغيان الكم على الكيف من الذين لم يفهموا حقيقة واقعهم ، ولم ينهجوا منهج أسلافهم ، في الاعتماد على الصد بالحجة وعدم الزج بأنفسهم في المحاورات العقيمة ، شجعهم على ذلك الانفتاح وسهولة الوصول إلى الاخرين ظنا منهم انهم قادرون على اختراق الطرف الاخر ، ملقين باللوم على أسلافهم انهم لم يسعوا الى نشر ما تؤمن به مرجعيتهم.
الا ان الذي ربما يكون قد غاب عن بالهم أنه بقدر ما أتيح لهم من إمكانية الوصول فإن الآخرين كذلك لديهم نفس النهم لطرح أفكارهم.
وهذا ما يفسر لنا اليوم ظاهرة عودة الإلحاد إلى البلاد الإسلامية (فكل فعل له رد فعل مساو له في المقدار ومضاد له في الاتجاه) فبقدر سعادة المسلمين انهم قد أصبحوا يخاطبون شعوب الأرض بما يؤمنون به فاولائك كذلك قدروا على النفاذ إلى البلاد الإسلامية.
والحال نفسه ينطبق على المرجعيات الإسلامية ، فكل منها متحفز لإثبات صحة منهجه .
والخطير في الأمر أن من المتحاورين من لا يفهم روح الحوار ، وليست له الأدوات ، ويُحسب على عوام الناس ، فينصب نفسه منافحا يفسد أكثر مما يصلح ، ينطق بالكلمة او يكتبها فيصل صداها شرق العالم وغربه محسوبة على الجهة التي يتحدث عنها أو بإسمها وتكون النتيجة وفقا للكمِّ لا للكيف.
وفي خضم التراشق بالكلمات يتم التصيد للأخطاء التى تشكل تراكما يتم استحضاره باعتباره جزء من الايدلوجية الفكرية ، لا أنه كلام عابر .
وعلى سبيل المثال في الأيام القليلة الماضية تم تداول مقطع مسجل (لشاعر لبناني اسمه خليل حيدرية مخطوط تحته (لا يكشف الكرب لا الحسين ولا علي ولا محمد ولا عيسى. )
وقد لقيت تلك القصيدة انتشارا واسعا ، ربما لقناعةالقراء بمضامين تلك القصيدة ، وقد يكون بفعل العادة المتأصلة لدى جمهور التواصل بإعادة نشر كل ما يصل إليهم .
ناظم تلك القصيدة لم يسلم فقد وُجِدَ من يفتش في ماضيه فأخذ يرسل وراء القصيدة ما كان عليه الشاعر قبل أربعين عاما ، متخذا من ذلك سببا في التشنيع به وانه يحمل فكرا …. مرددا انه يصح التوسل لدى الله ببعض أوليائه مستشهدا بقصيدة البوصيري في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم ، بل ويطالب من أعجب بقصيدة( خليل الحيدرية ) أن يراجع عقيدته وكانما العقيدة أصبحت تستمد من اشعار المديح او من الاراجيز لا من نصوص القرآن الكريم كما في قول الله سبحانه وتعالى ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ ۖ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ ۖ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)) وقوله ( قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ )
ففي الآية الأولى يقتضي النص أن يكون إذا سألك عبادي … فقل لهم إني ….. لكن الحكمة الربانية اقتضت أن لا تكون هناك واسطة بين العبد وربه ، بل باب الدعاء مفتوح
وفي الآية الثانية ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ….الآية جاء جواب الشرط الأمر باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهل كان الرسول عليه الصلاة والسلام يتوسل ببعض الخلق في الدعاء ؟ هل توسل بأمين الوحي مثلا حتى نقول انه يجوز التوسل ؟!
والعجيب أن ما ظلت تعتز به تلك القلعة الدينية والفكرية هو عدم صحة التوسل والدعاء إلا من الخالق جل جلاله ، لكن النقاش المفتعل يمكن أن يخرج الإنسان عن دائرة الصواب ، بل ويضع المرجعيات الفقهية في موضع حرج ، ولئن يكن قد وجد في المرجعية من يقول بجواز التوسل المؤدي إلى الله فهل ذلك الا رأي منه غير ملزم للآخرين.
وخلاصة ما أردت قوله في هذا المقام أن يتوخى المحاورون الحذر في الدخول مع الآخرين
في جدل عقائدي بناء على قول زيد او عمر ، أو أن يشنعوا على الآخرين لمجرد الاختلاف معهم
فإن كان في الدين سعة للتعامل مع الكفار افيضيق به تعامل المسلمين أنفسهم؟!
وأعجب ما قد تراه في البلاد الإسلامية التودد الذي يظهره المسلم لغير المسلم ولا تراه كذلك مع أخيه المسلم ، سبحان الله العظيم


أحدث التعليقات