لا يمكن لأي موظف كان ولا سيَّما إن كانت وظيفته تتعلق بالتعامل المباشر مع الجمهورأن يَخلوَ من بعض المواقف الخشنة سواءً أكان المتسببُ في تلك المواقف الموظف أو المستفيد من الخدمة أو العائق لأدائها ، ولئن كان ذلك يحدث مع موظفٍ عَملُهُ ينتهي بنهاية الدوام الرسمي لليوم الواحد والآثار المترتبة تنتهي بنهاية اليوم ، فإنَّ الموظف الاكثر مكوثا في الموقع ولا سيَّما في بعض المناصب كالوالي مثلا ونائبه او المدير العام ونائبه أو المدير ونائبه فإنَّ الموقف يكون أحيانا ذو تأثير أكبر وأطول مدة وقد تؤدي عوامل جانبية إلى مضاعفة التأثير.
ولأنني كنتُ موظفا وأمضيتُ في الوظيفة أكثر من خمسة و ثلاثين عاماً فلستُ استثناءً من تلك القاعدة فلقد مررتُ بمواقف ، بعضها ألومُ فيها نفسي وأخرى أجد أنني بحكم المنصب مرغما على اتخاذ ذلك الموقف ، كمثل ما حدث عندي حين كنت موظفا في إحدى الولايات إذْ جائني مدير مدرسة من الاخوة الوافدين العرب وذكر لي أن امرأةً تهجمت عليه في المدرسة ربما بسبب مشاجرة بين ابنها وأحد من زملائه ، ولكي لا تتكرر حالات مثل تلك تمت مخاطبة الشيخ المسؤول في القرية لنصح المرأة والاعتذار لمدير المدرسة.
ولسبب ما لم يقم الشيخ بتلك التوصية بل أرسل إبنه لمدير المدرسة الذي تبين فيما بعد انه عنَّف المدير وهدده للجوئه الى مكتب الوالي قائلا إنك إن كررت مثل هذا التصرف فلن تبقى في السلطنة ، فجاء المدير مرة ثانية إلى مكتب الوالي خائفا مرعوبا ويطلب من المكتب أن ينقل اعتذاره للشيخ ، فكان الرد على مدير المدرسة أن الذي استدعاك إلى السلطنة هي حكومة صاحب الجلالة ممثلة في وزارة التربية والتعليم ، وانت ترى أنَّ العلم يرفرف على المدرسة وصورة جلالة السلطان تعلو مكتب الإدارة وكل فصل في المدرسة
فلا سلطة لأحد عليك سوى وزارة التربية والتعليم ، أمَّا لأننا قد طلبنا من الشيخ نصح المرأة على تجاوزها كإجراء ودي فذلك كان لعدم خلق حالة من عدم الارتياح في الجو المدرسي فيما لو تم اتخاذ الإجراء الرسمي وفتحت قضية.
لقد بدا أن مدير المدرسة لم يقنعه القول أن لا سلطة لأحد غير الحكومة ، قياسا على ما يحدث في بلده ربما فكان لا بد من استدعاء إبن الشيخ ليتأكد المدير والمعلمون جميعهم أنهم أينما عملوا أكانوا في السهل أو في الجبل في الحضر او في الأرياف هم تحت نظر الحكومة وسمعها .
لقد أوجدت تلك المسألة من الشيخ حالة من الفتور في التعامل فربما قد رأى في استدعاء ابنه تنقيصا لمكانته أو ربما كان موافقا ضمنا على تصرف إبنه لا أدري لكن ما هو مؤكد أنَّ تسمية المدرسة نفسها قد أسهم في محاولة تدخلات من أكثر من طرف وقد كان من المهم إرسال رسالة للجميع للكف عن جعل المدرسة ساحة للمنافسة .
*فقرةاعتراضية*
كان النظام المتبع في وزارة الداخلية ان يخرج الولاة ونوابهم إجازة أربع ايام في الشهر تعويضا عن إجازات الجُمَعْ وكان على الوالي والنائب أن يتواجدا في مراكز عملهما وخروجهما للإجازة يتم بالتناوب بينهما ، والسبب الرئيس في ذلك أن المراكز الأمنيةوالخدمية لم تكن بذلك الانتشار في الولايات مما يجعل مكاتب الولاة مرجعا لكل حدث ومسؤولة عن معالجة كافة الإشكاليات التي قد تحدث وخاصة بعد الدوام الرسمي ، ولذلك كان الوالي في حالة عمل مستمر ليل نهار ، كما أنَّ إجازة الجمعة لم تكن تكفي للوالي ونائبه حيث لا توجد طرق معبَّدة في كثير من الولايات ناهيك عن بعد المسافة بين الولاية ومقر الإقامة الدائم للوالي ونائبه ، إذ كانت سياسة الحكومة تقتضي أن لا يكون الوالي من نفس الولاية او من الولايات القريبة ، لتجنيبه الاحراج في تنفيذ المهام الموكلة إليه.
ومع التوسع في شبكات الطرق وسهولة التنقل وانتشار رقعة مراكز الشرطة ووجود الهاتف لم تعد هناك دواعي لوجود الوالي في غير الدوام الرسمي ، ولذلك ألغيت الإجازة الشهرية للوالي ونائبه وأصبح حالهم كحال موظفي الخدمة المدنية في الإجازات إلاَّ في حالات خاصة تستوجب وجودهم.
*عوداً على بدء*
من الطبيعي إذا أن يخرج الموظف عطلة نهاية الأسبوع ، وقد صادف أنْ كنت خارج الولاية حين جاء لزيارتي أحد الأصدقاء دون سابق تنسيق فلم يجدني وقد تلقَّاهُ ذلك الشيخ برحابة صدر وطيب خاطر فأمضى معه يوما كاملا محاطا بحفاوة الاستقبال وكرم الضيافة على نحو شعرت فيه بالخجل ، قلتُ في نفسي لو أن علاقتي بذلك الرجل حميمية وقد فعل ما فعل يكون ذلك مألوفا أمَّا أن يحدث في ظل حالة من عدم الرضى من قبله فذلك مما يكشف عن نقاء معدنه وثاقب بصره وبُعْدُ تفكيره ورجاحة عقله وربما تفهمه لموقفي .
ومع أنني كنت قد اتخذت الإجراء الصحيح بحق ولده ، على الأقل من وجهة نظري ، فإنني شعرت بالاسف والإحراج اتجاه ذلك وتمنيت لو أنني لم أُضطر لاتخاذ ذلك الإجراء.
*ألْعِبْرَة من الحكاية*
كان ذلك هو أحد الدروس التي تعلمتها فقد تولَّدَ لديَّ إحساس بانَّ الوظيفة يجب أنْ تزينها حُليٌّ ثلاث *صبر الصائغ وتقانته وإلهام الرسَّامِ ورقته وحرص التاجر على العميل وحذاقته* لأن حال الوظيفة كحال الثوب الذي تحرص على ارتدائه نظيفا أنيقا لتقابل به الناس فإذا عدت إلى بيتك خلعته ، ليس أكثر من ذلك فخير للموظف أن يبقي لنفسه الصفة الاعتبارية دون الإخلال بمسؤولية وواجبات الوظيفة التي يشغلها ، فما دخل الرفق في شيء إلاَّ زانه ولا نُزِعَ الرفقُ من شيء إلاَّ شانه .
وأخيرا وقبل أن أترك لوحة مفاتيح هاتفي استوقفتني لفظة في اللهجة العمانية تعني بلوغ الغاية وزيادة في صفات يتحلى بها الشخص ، وهي كلمة (شايخ) فيقال فلان شايخ في عقله ، شايخ في كرمه ، شايخ في شجاعته ، شايخ في علمه ، شايخ في الحسن وكثير من نحو ذلك، فلعلَّ تسمية الشيخ لدى العمانيين جاءت من بلوغ الصفات لدى من يولونه المسؤولية حدا تميز به من قبيل العقل والحكمة والشجاعة والكرم فيطلق عليه لقب (الشيخ).
جزيل الشكر ازجيه إليكم على المتابعة والى لقاء آخرغصن بن هلال العبري



أحدث التعليقات