تقول والدتي حفظها الله لنا بصحة وعافية وأطال في عمرها أنني من مواليد ١٣٧٢ للهجرة وربما يوافق ١٩٥٣ م مما يعني أنني الان في السبعين.
في السابعة من عمري ختمتُ القرآن الكريم على يد عمتي شيخة بنت محمد بن سالم العبرية وقبل ذلك بدأت في تعلم القراءة على يد عم والدتي الشيخ سالم بن هلال بن سالم العبري .خلال تلك الفترة كانت حارة الحمراء بالنسبة لي كالبيت الواحد زرت خلالها أكابر شخصيات البلدة من *حارة العالي* الى *حارة الوسطى* الى *الحارة الشرقية* الى *الحارة الحديثة* ولا أذكر أنني جئت منزلا ووجدتُ فردتي بابه موصدة ولولا خشية الإطالة لذكرت البيوت بمسمياتها وأصحابها ، ولن أكون مبالغا إذا قلت وأنا في ذلك السن *٧ سنوات* كنت أعرف مرافق كل بيت في الحارة.
لماذا بدأت مقالتي ببيان ذلك؟ لكي أريكم أيها القراء الكرام أنني أتحدث عن علم ودراية بحياة عشتها حتى منتصف السبعين من القرن الماضي ليتبين لكم مدى التغير الذي حدث في أنماط ثقافة المجتمع خلال ستين عاما الماضية.
لم يكن التعليم غائبا عن بال الناس ولذلك حالما يستطيع الطفل المشي إلى المدرسة حاملا *الكدف*عظم ورقة كتف البعير*و*الدواة* *المحبرة وبها قلم من نبات يطلق عليه *العقار* أو *الحِلف* ولم يكن الهدف من التعليم يومها مخرجات سوق العمل بل كان الهدف الأسمى تقويم السلوك ومعرفة علاقة الإنسان بخالقه وما يجب عليه نحو ربه ونحو عباده.
حين يقوم والدا الطفل بإيصاله إلى المدرسة يوصونه بتهذيب إبنهم قبل تعليمه ويفوضونه في ذلك تفويضاً مطلقاً لذلك لم نسمع يوماً أن أحداً شكا معلماً ، ولم يكن أطفال ذلك الزمن مختلفين في شقاوتهم ولا في تجاوزاتهم لكن الطفل يلقى من يقوم سلوكه كما في المدرسة في السبلة والمسجد ليعود إلى البيت فيجد تقارير عديدة عنه لدى والديه ، وقد يصل الحال أن يلقى من يعاقبه قبل رجوعه فإن شكا الطفل ذلك لأبويه قالا له *مستحق*حتى قبل أن يلتقيا بمن أدبه.
حين يتجاوز الولد أو البنت العاشرة يصبح أكثر التصاقاً ببني جنسه فالولد مع الرجال في المسجد والسبلة والبنت مع النساء في مصلياتهن ومجالسهن ينقلن إليها معارفهن و ما يتطلب من في سنها معرفته من أحوال النساء.
ذات يوم كنت مع بعض الصبية ألعب *الكربة* شبيهة بلعبة الهوكي وكنا نمارسها في الدروب وقد مَرَّ علينا رجل ناداني على انفراد وهمس في أذني قائلا ليس من مستواك أن تلعب هنا ، ذلك كان يتحدث عن منظور المجتمع أن اللعب إن لم يكن تحت إشراف فإنه قد يؤدي إلى الانحراف.
وذاتُ مرة كنت في السوق بانتظار أن أحمل بعض السمك المشوي من القماط ويبدو أن شخصاً غيورا ظن أنني أتذوق السمك في السوق وذلك من الأمور المعيبة في ذلك الزمان وما إن وصلت البيت حتى وجدت من ينتظرني بالمحمومة ( العصى ) …و للحديث بقية


أحدث التعليقات