كثرت الأحاديث في الآونة الاخيرة عن الأزمة الاقتصادية ومحاولات الحد من آثارها السلبية والارهاصات التي تصاحب المرحلة من تغير في المزاج العام.
ومع أنني لست متخصصا في أي من فروع العلوم العصرية ولا أملك الأدوات التي تمكنني من تحديد نقاط القوة من نقاط الضعف ومن الجانب الايجابي في الأزمة من الجانب الآخر .
ولكن بالفطرة يمكنني أن أشبه الأزمة الحالية بمرحلة الفطام عند الطفل فاليوم الذي تقرر فيه أمه منع الحليب عنه سواء الطبيعي أو الصناعي فإنها بالنسبة له كارثة عظيمة .
ولكن ماذا يحدث بعد أيام قلائل من الفطام ؟ يتأقلم الطفل ويبدء أسلوبا آخر من الحياة وهو الاعتماد على الذات بصورة أكبر حتى لا تكاد تمر أسابيع إلا وينسى فترة الرضاعة بل إنه حين يستذكر تلك الفترة او يذكر بها يظهر شيئا من السخرية من نفسه لماذا ؟ لأنه أكتشف ان هناك مصادر عديدة يمكن أن يسلگها للحصول على الغذاء المتكامل وبارادته هو لا على سبيل فرض نوع واحد من نمط الغذاء .وعندي دليل على ما اقول وهو ان كثيرا من الشباب الذين كانوا موظفين سواء في القطاع الحكومي او الخاص وقد استقالوا او تقاعدوا واسسوا لهم اعمال خاصة يصرحون انهم قد خسروا فترة زمنية من اعمارهم إبان وجودهم في الوظائف .
وإنني لعلى ثقة من ان المجتمع العماني بعد أن ادرگ أن الاعتماد على مصدر واحد يشكل خطرا حقيقيا سيقوده تفكيره الى تغيير جذري في نمط الانتاج والاستهلاك فالضربة الموجعة تزيد العود صلابة .
لنعد الى الازمة التي تقلق الكبير قبل الصغير والغني قبل الفقير والوزير قبل الخفير ، إنها أزمة انخفاض أسعار النفط
هذه الأزمة التي ليست الاولى ولن تكون الاخيرة ، فقد تدنت أسعار النفط عالميا من قبل حتى وصلت اثني عشر دولارا للبرميل ، وتراجع إنتاج السلطنة من النفط مما يقارب المليون برميل الى أربعمائة وخمسين ألف برميل يوميا، ولم نسمع مثل هذا الضجيج سواء من المواطن أو من الحكومة لماذا؟
لسببين الأول أن الحكومة أخذت من إسمها صفة وعالجت الأمر بحكمة وصمت ، و إنني أذكر تصريحا مقتضبا من معالي أحمد عبد النبي مكي يقول ما معناه وفي وسط الازمة : إن التنمية في عمان مستمرة ولن تتوقف ولكن ربما بسرعة أقل وأن مخصصات المواطنين وحقوقهم لن تمس ويقصد بذلك التعليم والصحة والمرتبات ، انظروا الى أسلوب الخطاب في تلك الفترة الذي قوبل من قبل المواطنين بالتقدير العالي ولم نسمع غير ذلك التصريح من أي مسؤول حكومي آخر .
ولو قارنا الوضع اليوم بذلك الوضع لوجدنا أن الحال أفضل بكثير وأقول ذلك عن ثقة ولا أريد أن أهون من الموضوع او أجعل نفسي أكثر فهما من ذوي الاختصاص وساشرح الامر من منظور بسيط
الازمة الحالية جاءت بعد وفرت في السيولة من عائدات النفط التي جاوزت المئة دولار للبرميل والبنية التحتية للدولة مكتملة وعائدات الثروات غير النفطية مساهماتها في الميزان العام لا تقارن مع حال الازمات السابقة حين كانت الدولة في السنوات تلك تنفق على البنية التحتية ولم تكن الايرادات غير النفطية تسهم في الميزان العام إلا بالجزء اليسير.
فلماذا هذه الضجة الآن ؟
هناك عوامل عديدة تسهم في تاجيج مشاعر الناس بقصد أو غير قصد.
العامل الاول ان الازمة ليست خاصة بعمان وحدها مثلما هو في الماضي فازمة عمان كانت ناتجة عن انخفاض الاسعار بالاضافة الى تراجع الانتاج وتلك حالة خاصة بها وحين تمرض بنفسك لا يهم الآخرين أظهرت تألمك أو لم تظهر أمَّا حين يعلن عن الوباء العام وفي اي مكان فأنت مطالب ان تظهر احترازك حتى لو لم يصلك المرض او كانت حالتك غير خطيرة من باب التضامن حتى ولو بالصراخ المصطنع.
امَّأ العامل الثاني الذي يميز هذه الازمة الاقتصادية أنها لم تأت وحدها بل تزامنت مع أزمات سياسية تمر بالمنطقة من اليمن في الشرق وحتى ليبيا في الغرب ناهيك عما سبقها من مشكلةايران النووية مع الغرب ، كل ذلك القى بظلاله على الضرف الحالي ، فلا يجوز في نظر السياسة ان ينفرد قطر بحالة استثنائية عن بقية الأقطار ، فإنه لا بد من إثارة البلبلة إن لم تكن في الجانب السياسي ففي الجانب الاقتصادي ، لذلك تسخر الآن إمكانيات هائلة من الخارج لتأليب الرأي العام داخل السلطنة بغية إثارة قلاقل سياسية بغطاء إقتصادي ، ومع الاسف الشديد أن تلك المحاولات تلقى من يروج لها ، والأدهى من ذلك والأمر اننا نجد بعض المسؤولين يتسابقون في الادلاء ببيانات وتصريحات لا تخدم بالضرورة المصلحة الوطنية وكانما يريدون بذلك أن يظهروا إخلاصهم وولائهم متناسين أن كلمة واحدة يمكن ان يبنى عليها الف كلمة يحرفها عن مسارها ، فالمطلوب الآن أن يتوخى المسؤولون الحذر الشديد في بياناتهم ، فرُبَّ كلمة تقول لصاحبها دعني . وقد يقول قائل إن ذلك يدخل في صناعة تكوين الرأي العام وتهيئته وإطلاعه والجواب كما قلت الحذر وكتابة التصريح المراد إعلانه فالامر لا يتعلق بقدرة المتحدث بل باهمية ان يكون التصريح مدروسا بعناية ولا يثير مزاج الرأي العام المشحون أصلا بما يهال عليه من الداخل والخارج .
ثم ليسمح لنا صانعوا القرار في بلادنا الحبيب بهمسة في آذانهم ونقول ما دمتم قد اتخذتم قرارا بتأجيل بعض
المشاريع في المرحلة الحالية فاننا نعتقد أنه يمكنكم أن تسيروا الأمور في جو مريح فلتكن قراراتگم مهدئة لخواطر المواطنين وإن هي إلا عاصفة ستمر باذن الله سبحانه وعونه وتوفيقه وتعود الأمور الى أحسن حال ، ذلك ما نرجوه من حكومتنا ونحن كمواطنين علينا ان نشد أزر بعضنا بعض ولا نلتفت كثيرا الى ما ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي التي لم تعد في مجملها إلا وسائل التمزيق الاجتماعي وبث الفتن والخلاف بين ابناء الوطن الواحد إن لم نقل البيت الواحد.
حفظ الله عمان في أمن ورخاء وازدهار وأنعم على شعبها بصحة وعافية جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم. وتقبل الله من الجميع صيامهم وقيامهم وسائر طاعاتهم إنه سميع مجيب .



أحدث التعليقات