يحكى أنَّ نفراً من بعض القوم قد رحلوا عن مكان إقامتهم ، لأسباب قد تكون فرارهم ، او إفتقارهم ، أو استجابة لرغبة كبارهم ، وقد حلوا بلداً راقي ،
مياهه تملا السواقي ، أهله أهل كرم وجود ، بلد لا ينقصه إلا الخلود.
ومضت الايام والسنون وهم في تلك البلاد مطمئنون ، لا يعكر صفو عيشهم معكر ، وكان من بينهم من هو عاقل ومفكر ، فنمت لهم الأرزاق ، واتسعت لوجودهم القلوب والأحداق ، حتى أصبحوا بين أهل الدار ، كأحسن ما يكون الجوار ، فتحوا لهم مجال العمل في الحقول ، وشاركوهم في الثابت والمنقول ، جريا على ما جرى في السنين الخوالي ، أن يوالي المرءُ من يوالي ، لكنه يبقى على أصله ، وأن لا يغير في أصله و فصله .
إلا إن أولائك النفر حين طال بهمُ المقام ، وعلى ما نالوه من تقدير واحترام ، أرادوا الاندماج في القوم أكثر ، فانتقلوا من الأصغر للأكبر ، وقالوا إنَّ أرض الله وسيعة ، وليس من فرق بين مضر وربيعة ، فاندمجوا في القوم ولاء وموالاة ، آخذين من تقلب الزمان عِبرة ، ومن تقادم المقام عُبرة ، فلم لا تكون مظلتهم الجديدة – كحال الكثيرين من أمثالهم – عَبرة؟!
وجاء فجر السبعين لتبدأ مرحلة جديدة ، في نهضة مجيدة ، اعطت الانسان أكثر مجالا في حرية التنقل والكسب حلالاً ، وبالتعليم ارتقت معيشة المواطنين ، ومالت الى الدعة والرفاهية سنين ، وبالقانون بعد الإسلام أصبح الناس سواسية ، في تناول فرص التوظيف بالشفافية ، فكان من نتيجة ذلك أن وجدت ظاهرة استغناء ، فلا فقير ينتظر من غنيٍّ أن يعطف عليه ، ولا غني واجد فقيراً يعمل لديه ، فتقاربت الطبقات من حيث القدرة المادية ، إلا أن حالة واحدة بقيت في تذبذب بين مد وجزر ، فعلى الرغم من إصدار الحكومة اوامرها بإلغاء كلمة موالي على الاوراق الثبوتية والشخصية ظل الناس على استحياء محتفظين بمفهوم التركيب المجتمعي جاعلين من الوطن الكبير بيتا كبيرا يسوده الوآم والاحترام .
إلا أن لكل قاعدة استثناء فأولائك النفر الذين ارتحلوا عن ديارهم ، ونعموا في الدار الجديدة باستقرارهم ، ونالوا صفة الانتماء الى قوم غير قومهم ، وجدوا أنفسهم كالقشة في الماء فهم وان قد استظلوا بقبيلة غير التي كانوا تحت ظلها
إلا أن ذلك لم يكن يحقق لهم طموحاتهم الوليدة ، بعد أن ارتقوا في المناصب الوظيفية الجديدة ،
ولم يسمح لهم الحال بالانصهار
إلا بطلب المصاهرة من أقوام لا يعرفونهم ، ومن الناس من لا يسأل والذي يسأل يجد الرد الغير مرضٍ لهم ، فتولدت لديهم عقدة الحسب والنسب ، فحدثتهم أنفسهم أن يجدوا لأنفسهم نسبا في القوم الذين استظلوا بظلهم ، وأخذوا بلجأون لزيد وعمر أن يشهدوا لهم بالنسب ومع الالحاح المتكرر الى أكثر من جهة ، وبين الحيل والخجل أخذوا يلفقون ويدعمون ادعاءهم بشتى الطرق الملتوية ، ويقال والعهدة على الراوي أنهم على وشك أن يعلنوا أنفسهم شيوخا وكأنما ينطبق على حالهم (خلا لك الجوُّ فَبيضي واصفري ).
خلاصة القول في الحكاية سؤال : هل القوم الذين إنضم اليهم اولائك النفر ما زالوا أحياءً ام أنقرضوا؟؟؟
يوما ما قد يجيب الزمان على هذا السؤال .
المقامة


أحدث التعليقات