يحلو لي بين وقت وآخر الحديث عن فترة ما قبل عام ١٩٧٠ م لأستذكر النعم التي قد حبانا الله بها مع فجر النهضة المباركة للسلطان قابوس بن سعيد بن تيمور طيب الله ثراه.
تلك النهضة التي غيرت وجه عمان من دولة متهالكة مواطنوها يعيشون حالة من (الجهل والفقر والخوف والجوع) هذه الكلمات التي بين هلالين لا يعرف معناها إلا من عاش واقعها) وكاتب هذه السطور عاش العقد الاخير منها
١٩٥٣ – ١٩٧٠ فمنذ ولادتي الى أن أصبحت في السن السادسة عشرة قد عشت مفردات تلك الحياة القاسية التي لا أجد الكلمات الناقلة للوصف الحقيقي لها.
وسوف أتحدث في هذه الوقفة عن رحلة من الحمراء الى مطرح
رحلة هدفها تلقي العلاج.
مرضت جدتي لأبي مرضا يستوجب اجراء عملية جراحية
ولما لم يكن في عمان الا مشفى واحد هو مشفى الارسالية الأمريكي بين هلالالين اشتهر بين الناس (بمستشفى طوماس)
فقد تقرر نقل جدتي بصحبة جدي و اثنتين من بناتها وأبي وابن عمي محسن ، كان سني يومها في حدود السادسة ربما ، ولا أدري كيف اقتنع الجميع باصطحابي معهم مع طول الرحلة وشدتها
فلا توجد طرق على الاطلاق ولا توجد سيارات لاند روفر الا باعداد قليلة كتلك التي اعطيت لاصحاب السعادة ولاة بعض الولايات الرئيسية ، ومنح تراخيص شراء سيارات لبعض كبار المشايخ واعرف منهم الشيخ عبدالله بن مهنا العبري .
لا أذكر كيف انطلقنا من الحمراء
الى نزوى ، ولكن بالتأكيد في سيارةربما تكون للجيش ، لأنها قد انزلتنا في نزوى فلو كانت متجهة الى مسقط لما اضطررنا للبقاء في نزوى ما يقارب أسبوعا كاملا.
أقمنا في نزوى في بستان يسمى البحير الخاص بالشيخ الكريم غصن بن شامس بن ناصر السيفي وكانت الايام كافية أن تبقي بصمتها على طفل مثلي.
فمع أن الايام كانت آخر نوفمبر الا أن أشجار البستان كانت ما تزال تحتفظ بشي من ثمارالزيتون والفيفاي والموز وبعض انواع الرطب كالهلالي والخصاب
وكنت اقضي نهاري كاملا في البستان
كما أن جدي قد استغل فرصة وجوده في نزوى للتواصل شبه يوميا مع الوالي السيد هلال بن حمد السمار الذي تربطه به علاقة مودة يوم أن كان جدي قاضيا في صحار في اربعينيات القرن الماضي.
انتقلنا من نزوى حتى وصلنا مطرح مرورا باربعة مراكز لجيش هي مركز سعال ومركز إزكي ومركز بدبد ،جرى خلالها تفتيشنا ، وقد استقبلنا في مستشفى طوماس واعطينا حجرة في مبنى لا صلة له بالمستشفى ونظامه بعيد عن أية رفاهية و أمام الغرف ليوان متسع وطويل تتم فيه عمليات الطبخ وتوضع فيه كافة المواد . كان الوقود حل التراب كيروسين
وكان الستيمة وبعضهم يسميها كولة هي التي يتم الطهي بها.
لقد صادف وجودنا في مطرح أيام عيد الميلاد وما زلت اذكر
تلك الانوار التي تزينت به اروقة المستشفى وقد دعيت الى جلسة تم فيها قراءة الانجيل وتوزيع الشوكلاطة ، ولشدة تأثري بتلك الانور والترانيم عند ما عدت الى الغرفة قلت لأسرتي
أن دين النصارى أحسن من دينا
مو حنا عندنا غير الظلام والقسوة.
استمر مكوثنا في مشفى طوماس ما يقارب من الشهر
كانت أياما جميلة بالنسبة لي
الا الاربع الايام الاخيرة.
فقد كان في الغرفة المجاورة لنا
عائلة وكان لديهم بنات اعمارهن
بين العاشرة والثانية عشرة وقد اندمجت معهم أكثر مما كنت في الغرفة التي تأويها أسرتي ، وفي اليوم التي غادرت فيه تلك الاسرة عائدة الى بلدها شعرت أن مطرح أصبحت كثقب الابرة.
لقد تقررت عودتنا عبر سيارة لاندروفر استؤجرت بخمسة وعشرين قرشا فرنسيا أو أكثر
واخذنا نقطع طريق العودة فصادف ان جاوزنا نزوى بعد المغرب وذلك يعني أن وصولنا الحمراء سيكون عند العاشرة ليلا.
وهناك ما زال ينتظرنا مركز بلاد سيت نقطة التفتيش الأخيرة قبل أن نحط رحالنا في بيتنا
في الحمراء الحبيبة.
لا أدري كيف قد خطرت ببال الدليل للسائق أن يحول مسار السيارة الى جانب قرن كدم عند بلدة غمر متجاوزا لمركز الجيش.
بعد دقايق معدودة من انحراف السيارة ، ولان الوقت ليلا وكانت انوار السيارة واضحة لمركز المراقبة في المركز ويكاد صوتها يصل الى مسامع الجند ، انهالت علينا طلقات النار من المركز فتوقفنا مذعورين فلم يكن يعرف بقية الركاب ما حدث من خروج السيارة عن مسار الطريق المعتمد ، حينها فقط اخذ السائق والدليل وبقية الركاب يتلاومون.
عدنا الى المسلك المؤدي الى المركز فلا يجوز أن يسما طريقا
وحينما وصلنا المركز انهال علينا الجنود الذين ما كانوا عربا بل من بلوشستان بالنَّهارات والكلام البذيء نعرف بعضه ونجهل غيره
فأمرونا بالنوم حتى الصباح
وفي الصباح تم تفتيش السيارة والسحاحير ( الحقايب) تفتيشا دقيقا وقد تم تقديم اعتذار خطي وتعهد بعدم تكرار ما حدث وقد سلمنا من السجن ربما بوجود النساء.
استدراك
لم يكن جدي معنا في الغرفة في المشفى ولا في طريق العودة ولعله لم يصحبنا من نزوى الى مطرح او أنه عاد بعد أن وجد أن الغرف مزحومة .
واخيرا وانا أنهي هذه الوقفة ارجو ان يعذرني القارئ الكريم
فذاكرة طفل عمره ست سنوات
قد تسقط منها بعض اللقطات.
حفظ الله بلدنا الحبيب آمنا مطمئنا سخاء رخاء ورحم الله اولائك الرجال والنساء الذين تحملوا تلك الحياة الصعبة.
وطيب الله ثراك ياجلالة السلطان قابوس بن سعيد
فقد سعيت لراحة البلاد والعباد.
والحمد لله رب العالمين


أحدث التعليقات