وأنا أتبادل الحديث الودي مع إبن عمي حمد بن محسن ورد اسم *كهف ساب النار* لا أدري حقيقة سبب ورود ذلك الكهف في حديثنا لكن ذلك كان مفتاح قصة ثلاث رحلات للكهف اخفقت اثنتان منها وتكللت الثالثة بالوصول الى كهف ساب النار.
إنني أتعمد ذكر اسم الكهف المكون من ثلاث كلمات *كهف* *ساب* *النار* ليعلق في أذهانكم .
كانت فكرة القيام برحلة لكهف ساب النار سببها كثرة ما يوصف به ذلك الكهف من جمالية المكان واعتدال الهواء.
عزم الفتية على الحركة منذ الصباح الباكر بعد أن تم التنسيق مع احد كبار السن من ذوي المعرفة بالكهف والطرق السالكة إليه ، والذي ارسل عددا من الحمير محملة بالمؤن بما فيها عدد من ذبائح الماعز ليستمتعوا حال وصولهم الى حيث لا يصل إلا طائر الشاهين
الذي ربما يتخذ من بعض جوانب الكهف عشا لفراخه.
انطلق الفريق نحو الجبل عن طريق مسفاة العبريين يصحبهم الوالد سالم بن سيف العبري
وأخذوا يمشون في الجبل في جو يتسم بالحرارة متزودين ببعض الماء وكلما نشف ريقهم ، وما اكثر ما حدث ، رفعوا من قنينة الماء على أفواههم متعمدين أن تتناثر بعض القطرات على وجوههم .
لم تكن قلة المياه وحدها سببا في توقف الرحلة ولكن اللياقة البدنية لم تكن تؤهلهم للوصول الى حيث وجهتهم .
سأل أحد أفراد الفريق قائلا :
الوالد سالم كم من المسافة قد قطعنا حتى الان ؟ أجابهم : أقل من نصف الطريق .
قالوا له نرى التوقف مع هذه النقطة في هذه المرة فأجابهم
ولكن ارسلنا المؤن الى الكهف
قالوا لا طاقة لنا بالوصول.
ولكن الجوع كان قد استبد بهم
فانبرى أحدهم قائلا لدي قليل من القاشع والخبز واخذوا يجمعون شيئا من اوراق شجر الجبل صنعوا من ذلك وجبة تسمى محلياً *مهموشة* اكل الفريق وشرب ما تبقى لديه من الماء عائدا الى الحمراء على وعد ان يكرر الرحلة الى*كهف ساب النار*
مضت أسابيع وربما شهور قبل ان يبادر الوالد سالم بن سيف رحمه الله دعوتهم ثانية للقيام بالرحلة الموعودة وكان الفريق قد اخذ فكرة من رحلته الاولى والتي من المفترض أن تفيده في رحلته الثانية.
والحق يقال أن الفريق قد بذل جهدا جاوز به النقطة التي وصلها في المرة الاولى لكن الوقت قد طال والطاقة قد نفدت فأعلنوا مرة ثانية عن عدم قدرتهم فقفلوا عائدين دون أن يقطعوا أمل الوصول الى الكهف في الرحلة الثالثة.
وكما كان الاستعداد في الرحلتين السابقتين بدأت خطوات الرحلة الثالثة بعزيمة وإصرار كبيرين.
تجاوز الفريق النقطتين في الرحلتين السابقتين واخذوا على عاتقهم أن لا يعودوا دون تحقيق غايتهم واستمروا في صعودهم حتى نفد ماء الشرب لديهم ، فقالوا لمعلمهم الوالد سالم بن سيف ، قد نفد الماء ، أجابهم في الأمام بركة ماء سنشرب منها.
وبعد ساعة من المشي وصلوا الى بركة الماء كانت صافية ولكن عدد الدودة في القاع لا يحصى ، ترددوا في الشرب
لكن معلمهم وضع قطعة قماش وأخذ يمتصُّ الماءَ مَصَّاً ، ولأن العطش قد استبد بهم ، أخذ كل واحد منهم يضع إمَّا إزاره او دشداشته أو مَصرِّه ، كل حسب المتوفر لديه .
شرب الفريق وارتوى ولكن ما هي الا دقائق حتى اختبص الحال بينهم فمنهم من … ومنهم من … لكنهم بعد انتهاء تلك العمليات واصلوا السير وبعد مسير ليس بالقليل
وجدوا بركة أخرى تبدوا أنها أفضل من سابقتها فشربوا واخذوا قسطا من الراحة وبينما هم يتأملون في البركة إذا بكلبين يقفزان في البركة ويستحمان ويخرجان من الجانب الآخر من الماء ، عندها قذف كل واحد ما في بطنه من الماء.
لقد كانت رحلةً شاقة لكنها تكللت بالوصول الى *كهف ساب النار*
يقول ابن عمي *حمد بن محسن* وصلنا الى الكهف عبر طريق عرضها لا يكاد يزيد على قدمين مطلة على منحدر يصل لمئات الأقدام يمكن للمرء منه رؤية بلدة *وجمة* قرية من قرى وادي السحتن التابعة لولاية الرستاق ، في حين أن كهف ساب النار في قمة يفترض أنها تطل على ولاية الحمراء .
لم يكن الخطر خافيا على الوالد سالم بن سيف ولذلك اوعز الى كافة الاعضاءبأخذ الحيطة والحذر.
ويقول لي ابن عمي *حمد بن محسن * أنهم حين دخلوا الكهف كانوا وهم يمشون على هيئة الركوع تواجههم النتوئات الهابطة والطالعة وتعمل فيهم العجب العجاب من الجروح لكن المعلم الوالدسالم بن سيف العبري رحمه الله كان يحمل معه القطن والآيدين ليطبب جراحات الفريق .
لقد كانت الخطة أن يمكث الفريق بين اليومين الى ثلاث أيام لكن الحال لم يكن مشجعا لذلك عاد الفريق بعد مبيت ليلة واحدة .
وقبل أن ينتهي الحديث بيني وبين ابن عمي سألته عن سبب إصرارهم للقيام بتلك الرحلة فقال لقد كان يوصف لنا الكهف وكانه قطعة من الجنة فأجبته مازحا اليس الاسم عنوان *كهف ساب النار* كيف يكون حاله غير الذي رأيتم ؟
لم يكن دافعي من تدوين تلك الرحلة عبر هذه السطور إلا عجبي مما قد حدث لاولائك الشباب وهم مصرون على تحقيق هدفهم .
إن ذلك يعد جزء من جهوزية الشباب على بذل أقصى طاقاتهم في سبيل الوصول الى الغايات التي يرسمونها.
*انتهت الحكاية*
تصوير: سالم بن علي الخياري


أحدث التعليقات