مقدمة
حين يريد أي منا الحديث عن شيء ما فانه من البديهي أن يكون ملما بمعظم تفاصل ما يود الحديث عنه ويجد مع ذلك صعوبة فما بالكم إذا كان الحديث سيكون عن شخصية فيها من الغموض ما يحير الانسان ومن الوضوح ما يثير الإعجاب ، شخصية فيها من الجوانب ما يستحق الوقوف عندها بتامل وتواضع ، شخصية عندما تراها عن بعد تحسب ألف حساب للإقتراب منها ، هيبة ووقارا وحين تقترب منها تجد من لطفها ونبل تعاملها ما لم تكن تتصوره ، شخصية تتميز بتكامل جوانبها ، هيبة من غير سطوة وغضب من غير هفوة ، شخصية تبكي لبكاء طفل وتزمجر لتصويب مسار شخصية ترددت كثيرا قبل ان أضع أصابعي على لوحة الحروف الابجدية في الحاسب الآلي ، إنه الشيخ المهاب العم زهران بن محمد بن سالم بن بدر العبري يصل نسبه بالشيخ زهران بن محمد بن ابراهيم بن راشد والد الأسرة المعروفة باولاد زهران المتقلدة لمشيخة قبيلة العبريين ، وهو الابن الاكبرلأبيه أما أمه فهي نصراء بنت مانع بن احمد العبرية من فخذ اولاد ناصر الذين يحلو للبعض تسميتهم بالمطاوعة لما عرف عنهم من التزام ديني واتساع معرفي في جوانب الشريعة والفقه.
فقرة جديدة ١
ولد في سنة 1328هـ الموافق 1909م في مدينة الحمراء من منطقة كدم المعروفة اليوم بولاية الحمراء من محافظة الداخلية له من الاخوة الذكور اثنان هما عبدالله وهلال ومن الأناث اربع عائشة ، عزة ، رياء ، شيخوه.
فقرة جديدة ٢
لقد قدر لي ان أكون أكثر الأبناء من جيلي مصاحبا للعم زهران بن محمد العبري ابتداء من بداية السبعينات من القرن الماضي في دولة الكويت ثم في آخر السبعينات حين كنا معا في دولة الامارات العربية المتحدة وبفعل وجودنا معا في بيته بضاحية اولاد راشد ببلدة العراقي بولاية عبري ، ناهيك عن تنقلاتنا معا بين العراقي و الحمراء ومسقط ، لقد كان لتلكم التنقلات الفضل الكبير في إحاطتي بشخصية العم زهران ومخزونه الثقافي والتاريخي ، فكم من مرة نبدء بحكاية مع اول حركتنا من عبري لنصل الى ابوظبي أو الى مسقط ولا تكون الحكاية قد انتهت ليقول لي رحمة الله عليه سنكملها في طريق العودة وإن أهم ما ينبغي الاشارة اليه انه إن صادف تكرار حكاية معينة فانك لا تجد فيها اختلافا في السرد مما يؤكد مصداقية ما يرويه من أحداث .
ورغم ما اسردته آنفا من ملازمتي له أشعر بحسرة وندم شديدين على ضياع فترتين من عمره لم يكن لي حظ في معرفتهما وهما مرحلتي الطفولة والصبا
فقد كان رحمه الله نادر الحديث عن نفسه ولم اسمع منه يوما أن ذكر شيئا عن طفولته او صباه كما انني أتساءل اليوم كيف فاتني أن أسبر تلكما المرحلتين ؟! ولعلَّ ذلك يعود الى أنني كنت حريصا اكثر على سماع التاريخ اكثر من حرصي على معرفة سيرة حياته مقدرا ان جانبا من سيرة حياته بت أعرفه ولم اتنبه الى الجوانب التي لا أعرفها.
مما أذكره من حديثه أنه في صباه كان يلقى رعاية خاصة من كل من عم والده الشيخ سيف بن بدر وانه كان يحبه كثيرا وكذلك الحال مع الشيخة خديجة بنت زهران ، ولقد حدثني كثيرا عن قوة شخصيتها ومكانتها في المجتمع وأنها كانت ذات تُقَىَ كما أنَّه كان يذكر كثيرا الشيخ العلامة ماجد بن خميس العبري . وكما أسلفت ما كان يذكر شيئا عن نفسه إلا إن كان في مجال التعبير عن رأيه في قضية ما.
لم يكن العم زهران شخصية اقتحامية كان يميل الى البقاء في الظل من الاحداث ولذلك لا يكاد يذكر حادثة يكون فيها هو أحد اللاعبين الرئيسيين ولا أدري هل كان ذلك طبع فيه أم نتيجة تكون قناعات معينة لديه كما سيتضح فيما سيرد لاحقا.
فقرة جديدة ٣
لقد تزوج العم زهران بن محمد العبري من رابعة بنت هلال بن حمد بن محسن العبرية أم ولده محسن بن زهران ويشاء الله سبحانه أن يحيا محسن يتيم الأم فقد توفيت والدته وعمره لم يتجاوز
العامين ليبقى تحت كنف جدته الوالدة نصراء بنت مانع بن أحمد العبرية التي أغدقت عليه حبا وحنانا وعطفا لا تكاد تستطيع أن تقدمه أمُّ لوليدها.
فقرة جديدة ٤
وكان لا بد لكي تستمر الحياة أن يتزوج العم زهران إمرأة أخرى ، ولما كان جدنا محمد بن سالم بن بدر العبري قد انتقل باسرته من الحمراء الى العراقي فقد تحول التفكير في اعادة تاهيل العم زهران بزوجة من الظاهرة لأسباب أقلها جغرافية فقد أصبح ثقل الاسرة في العراقي يتزايد معتمدا في ذلك على ثلاثة أسس أحدهما الجذور التاريخية ذلك أن أسرة اولاد زهران لم تغب يوما عن اذهان الناس في العراقي وكيف يمكن أن يحدث ذلك ولهم من الاموال الجزيلة تكاد تكون نصف بلدة العراقي والاموال الخضراء في ذلك الزمن هي الثروة الحقيقية ، وثاني تلكم الأسس أنه بمجرد وصول جدنا محمد بن سالم الى العراقي صارت معظم تلك الاموال الخاصة لعمومته وابناء عمومته تحت إدارته وسبب ثالث مهم بل هو الاهم وسيكون له صلة مباشرة بزواج العم زهران بن محمد العبري وهو العلاقة الوطيدة التي ترسخت بين كل من الشيخ الوالد محمد بن سالم والشيخ سعيد بن ناصر العبري ( الصوافي) الذي كان شيخا قويا ليس فقط في العراقي بل في الحوزة كلها وقد نشأت بينه وجدنا محمد صلات ووشائج وصلت حد المصاهرة .
و من تلكم الأسباب اتجه البحث عن زوجة للعم زهران كما قلت قبل قليل إن لم يكن من نفس العراقي فمن بلدان المنطقة.
فقرة جديدة ٥
كان للشيخ سعيد بن ناصر الصوافي هكذا اشتهر بين القبائل – لأن أمه صوافية – فغلبت عليه شهرة الصوافي كان له اخ من أم وائلي النسب قد يكون اسمه سعيد بن خلفان إن لم تخني الذاكرة وكان ذلك الرجل اخ من اب للوالد راشد بن خلفان الوائلي .
ويبدو أنه في جلسة جمعت الثلاثة اوالاربعة ( محمد بن سالم العبري وابنه زهران ، سعيد بن ناصر الصوافي واخاه سعيد بن خلفان الوائلي ) اقترح الوائلي على أخيه الصوافي أن يمهد لدى ابن اخيه حميد بن راشد بن خلفان الوائلي في طلب اخته لزهران وقد تم له ذلك فاضحت راية بنت راشد بن خلفان الوائلية زوجا لزهران بن محمد بن سالم العبري وصارت أم أولاده سعيد وسليمان والجوخ وزوينة وزهرة وسالمة أطال الله عمر سعيد بن زهران واخواته فيما اختار أخاهم سليمان الى جواره رحمة الله عليه.
فقرة جديدة ٦
من البديهي وهو الابنُ الاكبر لوالده أن يبقى كظله في ذلك الزمان الذي تفرض ضروفه المعيشية والأمنية والاجتماعية ذلك ولذا فقد كان عمنا زهران مصاحبا لأبيه في الإقامة والسفر فحين كلف والده بمنصب القضاء بولايات ساحل الباطنة في عهد السلطان سعيد ابن تيمور كان هو بصحبته ولا يكاد يفارقه إلا حينا من الوقت كما انه حين طلب والده الاعفاء من منصبه كان بجانبه في إدارة الشؤون الاقتصادية ويذكر لي العم زهران أنهم يحصدون من التمور مئآت الأطنان وكانوا ينقلونها الى ولايات الباطنة عبر قوافل الجمال ، ويذكر لي أنهم وجدوا مرة أسعار التمور في الباطنة منخفضة فقرروا نقله الى العاصمة مسقط وكانت السيارات قد بدأت تمشي على رمال الساحل إلا أنها قليلة ربما تمر يومان او ثلاثة قبل ان يجدوا سيارة وانهم قد انتظروا ثلاثة أيام الى ان وجدوا السيارة
فقرة جديدة ٧
وحال وصولهم الى مسقط صادف وجود ابناء العمومة المشايخ اولاد مهنا وعدد من ابناء عمهم يقدمهم الشيخ ابراهيم بن سعيد وكانوا متجهين الى قصر العلم لحضور لقاء مرتقب بين السلطان سعيد بن تيمور وشيوخ الحرث ، وكان ذلك اول لقاء لشيوخ الحرث مع السلطان وكان المشايخ العبريون مدعوين لحضور اللقاء .
ابدى الشيخ إبراهيم بن سعيد استغرابه من حضور العم زهران ومن معه في تلك اللحظة كونهم قادمين من الظاهرة إلا أن العم زهران كان حاضر البديهة وتحسبا لما يمكن أن يثار حول تلك المصادفة قال له كما أنتم مدعوون نحن كذلك ولم يزد على ذلك وهكذا انظم الجميع في وفد واحد ودخلوا قصر العلم وشهدوا معا لقاء كان من اهم اللقاءات في ذلك الزمان . لقد كان يحكي لي الحكاية تلك وكانني اعيشها لحظة بلحظة.
فقرة جديدة ٨
في الخمسينات من القرن الماضي تعرضت واحة البريمي للاحتلال من قبل آل سعود وقد كاد بقاء الاحتلال ان يشجعهم على التفكير في توسعة رقعته إن لم يكن بالسلاح فبالمال واخذوا يستميلون القبائل بالعطاء وكانت المملكة قد بدأت انتاج النفط مما وفر لها اموالا استخدمتها في محاولة مد نفوذها على معظم جيرانها ومنهم عمان ولذلك كان تأثيرها على منطقة الظاهرة أكثر من غيرها لقربها من البريمي فيما جاوز التاثير الظاهرة ليصل الى مناطق عديدة وإن كان بنسبة أقل.
ولئن كانت بريطانيا تحقيقا لمصالحها قد توسطت في تسوية مسألة البريمي مع آل سعود ادى لانسحابهم من واحة البريمي إلا ان آل سعود قد استمروا في استقبال العمانيين في الرياض وظلت عطاياهم المسماة بالشرهات مستمرة لفترة ليست بالقصيرة ثم انقطعت بعد فترة حين وجدت المملكة ان العمانيين لا يستميلهم المال حينما يتعلق الأمر بالوطن ، إلا أن تلك المسألة كانت مفتاحا للعمانيين للذهاب للملكة للعمل في مجال تطوير البنية التحتية نتيجة تدفق اموال النفط.
ولم يكن العم زهران استثناء واخوته بل وعدد من ا بناء عمه في الحمراء كما هو حال كثير من القبائل فكثير من العمانيين صارت المملكة وجهتهم اقتصايا ودينيا حيث البيت الحرام.
ولقد كان للعم زهران رحلات عديدة منها لاداء شعائر الحج عن نفسه او نيابة عن غيره ومنها للعمل .
فقرة جديدة ٩
في جزء من حديثي اعلاه قلت إن العم زهران يميل للهدوء والانعزال وإنني هنا اجد نفسي مرة أخرى محتاج لتأكيد هذه المعلومة معتمدا على حديث له عن المسألة التي وقعت لوالده وأسرته في بلدة العراقي فقد كانت وجهة نظره أن كل الذي حدث كان يمكن ألا يحدث لولا طموح اخوه عبدالله وولده محسن واندفاع اخوه والدي هلال ثم تقبل جدنا ذلك واعطائهم الضوء الاخضر.
إن هذا ليدلل على انه يتمتع بواقعية اكثر مما هو حال بقية افراد اسرته.
فقرة جديدة ١٠
حين انتقل جدنا محمد بن سالم واولاده الى الحمراء بعد الاحداث التي ربما يكون العم محسن بن زهران قد ذكرها والتي المحت اليها قبل لحظات ولا اريد ذكرها هنا لأنها ليست موضوع حديثنا ، كان العم زهران في المملكة العربية السعودية وقد ذكرت فيما كتبته عن الوالدة راية انها قررت الانتقال الى عبري ريثما يعود زوجها ، وحين عاد اعتبر قرارها صائبا بل وحكيما ولقد باشر حال عودته القيام بما يلزم ممتلكات والده دون عودة اسرته الى العراقي وبعد فترة أشهر بسيطة تقدم الى سعادة السيد سعود بن حارب البوسعيد والي عبري آن ذاك طالبا العودة باسرته الى بلدة العراقي مؤسسا طلبه على أساس انه ليس شريكا في اي من الاحداث التي جرت وانه كان خارج البلاد وبناء على ذلك وجه السيد سعود بن حارب البوسعيدي والي عبري رسالة الى القائم في حصن العراقي الشيخ حمود بن حمد بن سليم المعمري يقول له فيها أن زهران بن محمد بن سالم العبري سيعود الى بلدة العراقي باسرته تحت حماية حكومة جلالة السلطان سعيد بن تيمور وان عليك ابلاغ الجميع ان اي اعتداء عليه او على أسرته هو اعتداء على الحكومة. ١١
تجدر الاشارة ان الحكومة قد قررت بعد تلك الاحداث ان تتولى هي حصن العراقي وقد تركت فيه الشيخ حمود المعمري ومعه عدد من العسكر لتنتهي حقبة تاريخية كانت اسرة جدنا احد محاورها.
وهكذا تتاكد مقولة انه رجل لا يميل الى المصادمة وانه يفضل التعايش السلمي في حياته.
إلا انني ما زلت ابحث في اسباب بقائه في السفر لمدد طويلة مع قلة المردود المادي وشظف العيش وقساوة المناخ بالمقارنة مع وضع أسرته المريح ، لتعود في الذهن عندي فكرة أنه بفقد ابويه وهو في السفر قد زاد من ميله للعزلة وأنه إن لم يكن يالفها فقد اعتادها .
لقد كان في السنوات العشر الاخيرة من وجوده خارج البلاد في دولة الكويت ولم يعد الى عمان الا اواسط السبعينات ليبدء مرحلة جديدة من العمل في دولة الامارات قبل أن يعود في أواخر السبعينات ليستقر في وطنه موظفا في وزارة العدل ( كاتب صكوك بمحكمة ولاية عبري ) الى آخر سنة من حياته حينما أعطي إجازة طبية لتنتهي بعد التحاقه بالرفيق الاعلا في يوم الأحد من عام 1409هـ الموافق (شهر ديسمبر) 1990 تغمده الله بواسع رحمته وأدخله فسيح جناته.
فقرة جديدة ١٢
لم يكن لينتهي حديثنا عن العم زهران بن محمد بن سالم العبري لمجرد ذكرنا لوفاته فهناك الكثير مما يستحق ذكره عنه ولذلك سافرد هنا الحديث عن بعض المواقف التي شهدتها معه او التي ذكرها لي ، ولعل اول ما ينبغي ذكره هنا من باب العرفان بالجميل قيامه بانشاء اول مسجد في المنيزف والذي أمر ببنائه وسعته برسالة بعثها لابنه محسن من دولة الكويت فيما امر ببناء مسجد آخر في الخضراء ببلدة العراقي وسمَّاه مسجد الخلاص وهو الذي أعيدت توسعته في السنوات الأخيرة.
ومما نقلته عن حفيده سليمان بن سعيد بن زهران قوله : لم تكن السنة الأخيرة من عمرجدي بعيدة عن الاستعداد للقاء ربه ، فعلى الرغم من تردي حالته الصحية أصرَّ على الذهاب الى مكة لأداء شعيرة الحج قائلا لعلها تكون حجة الوداع.
ويتجلى كذلك حرصه على التطهر من أدران الدنيا من ذلك مثلا قيامه بزيارة امرأة كبيرة في السن وسؤآله لها عن حالتها مستذكرا معها علاقتها مع زوجها الذي يبدو أن له معهما محاولة إصلاح وكأن الجد زهران كان موقفه منها متشددا وقد ذكرتْ في معرض حديثها ذلك دون أن تعرف ان الذي يتحدث اليها هو نفسه جدي زهران بن محمد ، فقال لها إنني انا زهران ولأجل هذا أتيتك طالبا أن تسامحيني ، ولا يستبعد سليمان أن يكون العم زهران كان لديه إحساس بدون أجله.
فقرة جديدة ١٣
تاثير شخصيته على المحيط به :
مما لاحظته على مدى السنين التي صحبته فيها أنه رغم أن الوظائف التي شغلها كانت بسيطة من الناحية الادارية في السلم الوظيفي إلا ان رؤسائه يظهرون له احتراما غير عادي يصل بهم الامر الى نسيان الفارق الوظيفي ولعل الامر يكون عاديا إن كان الرئيس شابا لنقول أنه ينظر الى فارق السن ولكن حينما يكون الرئيس يكاد يكون قريبا من سنه وتجده يتعامل معه وكانه زميل ولا يفعل ذلك مع غيره.
لقد شهدت ذلك في الكويت والامارات وفي السلطنة إلا ان الامر داخل السلطنة قد يكون يختلف لمعرفة مكانته الاجتماعية.
فقرة جديدة ١٤
إهتماماته بالعلاقات الرسمية وغير الرسمية
لم تغب عن ذهن العم زهران بن محمد أهمية العلاقات والتواصل مع المسؤولين كلما سنحت الفرصة الى ذلك ولم تكن زياراته تهدف لتحقيق مصالح شخصية بقدر ما هي ترسيخ لمنهج حياتي اعتاد عليه.
وفي هذا المقام أذكر انه حينما توفيت والدة صاحب السمو أمير دولة الكويت الشيخ صباح السالم الصباح وجه اليه برقية تعزية باسمه واسم العبريين العاملين بمعهد الكويت للابحاث العلمية وقد جاءته برقية شكر على التعزية من الديوان الاميري .
وفي داخل السلطنة كان يقوم بزيارة عدد من أصحاب المعالي الوزراء ولم يكن يهتم كثيرا باخذ مواعيد مسبقة وكانت تفتح له الابواب وتتيسر له المقابلات وأذكر انه قابل معالي الدكتور يحيى بن محفوظ المنذري وزير التربية والتعليم وذكر له عن رغبة ابنته الجوخ بنت زهران الالتحاق بوزارته الموقرة كمدرسة للتربية الاسلامية ولم يتردد معاليه للاستجابة لطلبه وتم تعيين الجوخ في اواخر السبعينيات من غير مؤهل معتمدا في ذلك على ثقة والدها وأنه ما كان ليطلب لها التعيين لولا معرفته بقدرتها .
كما كان يحرص على التواجد في العاصمة مسقط لمشاهدة الاحتفالات بالعيد الوطني حتى وان لم يستطع الذهاب الى اماكن الاحتفالات فانه يحب ان يعايش الأجواء الاحتفالية عن قرب.
وفي مجال التواصل الاجتماعي كان يحرص كثيرا على زيارة المرضى سواء في المستشفيات أو في منازلهم ويحرص على مشاركة الناس أفراحهم وأتراحهم وقد ظل متمسكا بعادة مشاركة أصحاب العزاء بالقهوة وملحقاتها حتى حين انتهت تلك العادة بعد تحسن الأحوال المادية للمواطنين واقتصرت مؤونة العزاء وتكاليفه .
فقرة جديدة ١٥
موقف في قصر البستان :
في السنة الأخيرة من حياته كان يحرص كثيرا على التجوال ولا يابه بحالته الصحية وكنت احد الذين يحرصون على صحبته وإن كان هناك من يقوم باخذه في سيارته.
وصادف مرة ان زار مسقط للمشاركة في احتفالات العيد الوطني وفي ذلك العام كان قد افتتح قصر البستان فاقترحت عليه ان نذهب لرؤيته ولم نكن قد عقدنا العزم على الدخول داخل المبنى لعلمنا بصعوبة المشي عنده ولذلك لم ياخذ في اعتباره ان ينزل من السيارة فخرج بلباس خفيف يرتديه داخل المنزل ولم يلبس العمامة او المصر بل اكتفى بالكمة التي لم تكن اتساعها على قدر الراس .
وحينما وصلنا الى مدخل قصبة القصر استشرته في الدخول فوافق وحينما ترجل من السيارة وجد صعوبة في لبس الحذاء باسباب مرض السكر فقلت له المكان لا يحتاج لحذاء وأخذنا نخطو خطوات متئدة اخذت منا اكثر من
دقيقتين حتى دخلنا القصر رغم ان السيارة موقفة على باب القصر.
وفيما نحن نتجه يسار ردهة القصر لنلقي نظرة على المعارض المحيطة كان موظفوا الاستقبال وبعض الانادلة ينظرون الينا بشيء من السخرية هگذا
تبدو حركاتهم وعدم الاكتراث حتى برد السلام ، وحينما أكملنا الدائرة انتحينا نحو الردهة واخذنا زاوية منها وجلسنا على تلك الارائك الفخمة وسار هو يحدق بنظره الى ألاعلا نحو القبة وزخارفها البديعة التي كانت بحق اول ما شاهدنا داخل السلطنة وخارجها حتى ذلك التاريخ ، وكان رحمه الله يتمتم بكلمات لم اكن قادرا على سماعها إلا حين قال ( إن كان هذا من صنع البشر لانفسهم في الدنيا فما عسى ينتظر المؤمنين في الجنة؟!)
لم نستغرق كثيرا في المقاعد قبل أن نرى اصطفاف طاقم الاستقبال متجهين اليه لاداء التحية وكأنهم ليسوا من قد رأيناهم حال دخولنا ، وبعد لحظات جاء النادل حاملا ضيافة القصر من الشاهي والبسكويت والماء ، فسبحان الله الذي سخر اولائك الناس له بعد ان كانوا يسخرون منه.
فقرة جديدة ١٦
حين بدأت في التمهيد للحديث عن الشيخ ا لعم زهران بن محمد قلت انه لطيف مرهف الحس يبكي لبكاء طفل ولعلَّ ذلك وراء محاولته كتابة الشعر لينفس عما يعتريه من مشاعر رغم أنه لا يبدو أنه يحفظ شعرا او أنه يقرأ الشعر فطوال صحبتي له لم أسمعه ينشد بيتا من الشعر لغيره ، وحتى محاولاته الشخصية لا يردد منها شيئا بعد الانتهاء منها ، كان رحمه الله حين يكتب شعرا يتولد لديه حب الكثرة التي تطغى على الجودة ولو انه كان يكتفي بابيات محدودة لكان يمكن لشعره أن يكون اكثر
قوة ورصانة وصورا .
له قصائد عديدة متفرقة في ايدي احفاده آملا منهم حين يتم استخراج ما هو مكتوب هنا على ورق أن يلحقوه به
واذكر أنه كتب قصيدة في رثاء الشيخ العلامة إبراهيم بن سعيد العبري أرسلها من دولة الكويت وقصيدة قالها في مولد حفيده سلطان بن غصن وأخرى عديدة لا أستطيع استذكارها الآن. (في آخر النبذة هذه قصيدتان اوردتهما كأنموذج )
فقرة جديدة. ١٧
وعلى الرغم مما عرف عنه أنه شديد يرفع صوته فانه مشهور عنه كذلك ان بناته في شبابه وحفيداته من بعد يفترشن حضنه ويتعلقن به في المجالس الخاصة.
كما ان إصراره على شراء ما يفرح الأطفال عند كل زيارة لدليل على لطافة ورقة مشاعره .
وفي هذا المجال لا يفوتني أن أنوه الى حبه وتعلقه الشديدين بابنه المتوفى سليمان بن زهران فلا تكاد تمر فترة إلا ويدور ذكره على لسانه ، وقد بلغ به الحال يوما أن رأى رجلا به شبه من إبنه سليمان في مستشفى من المستشفيات وينتظر كغيره الدخول على الطبيب وتاتي الصدفة ان يكون إسمه سليمان مما ضاعف من شكوكه انه ابنه وظل ينتظر خروجه ولكن يبدو ان الرجل خرج من باب آخر ، ولا يمكن ان يصدر مثل هذا التصور إلا من حس مرهف.
وحين تم القبض على ابنه محسن بن زهران لاتهامه انه دبر هجوما على عدد من مراكز القوات المسلحة في عهد السلطان سعيد بن تيمور والقي به في غياهب سجن الجلالي بمسقط كانت سحابة الحزن لا تفارق عينيه ضاربا شرق البلاد و غربها لتخليصه من السجن ويذكر انه قام مرة بشراء بعض الحاجيات لتسليمها له في السجن وكان وهو يجمعها في ربطة عيونه تسيل من الدمع.
وكان يصر أن يودع زائريه من ابنائه وأحفاده من الحمراء الى السيارة وما زالت صورته ماثلة امامي وهو يجلس على ظل جدار مسجد ضاحية البيت وعيناه تغرورق من الدمع .
وفي الاعياد كان يصر على شراء الاقمشة بنفسه وتقسيمها الى قطع وكتابة أسماء من يريد إعطائه تلكم الكسوة ، ويا لحسن الخاتمة التي نالها فقبل ساعة من إصابته بالجلطة التي اودت بحياته كان يقوم بتوزيع الاقمشة وكانت آخر مكالمة هاتفية له مع أخته رياء بنت محمد بن سالم ليترك تلك الاقمشة في مكانها على الارض ويقف قائما لمحاثتها وتطول المكالمة لنقول له من الافضل أن تجلس ويدخل حجرته فيتوضا ويبدء صلاة العشاء لتسمع ابنته زوينة وحفيدته موزة بنت سعيد مايشبه النداء فتاتيان اليه فتجدانه قد انكب في سجادة الصلاة ويشير الى الألم باصبعه الى مقدمة جبهة الراس و قد طلب أن يشرب ثم لم ينطق بعدها بكلمة ، عليك رحمة الله يا عمَّاه.
أمَّا عن جهورية صوته فهي جزء من تركيبة شخصيته ولا تعبر عن حقيقة مشاعره إلا كما هي حالة كل إنسان ،
وفي هذا المقام أذكر موقفا أفزعني فيه ، فقد كنت أتلو القران الكريم بصوت مسموع في المجلس ببيت ضاحية أولاد راشد بالعراقي وكان ان صادف قدومه من الطريق المحاذي للضاحية ونوافذ المجلس تطل على الطريق مباشرة وقد أخطأت في قراءة آية فعدل علي القراءة بصوت مرتفع ودون سابق معرفة بوجوده فارتبكت لكني واصلت القراءة فكانت الأخطاء متتالية نتيجة الصوت القوي فجاء منه الصوت الاكثر قوة المصحوب بالتوبيخ ولم يكن أمامي تلك اللحظة إلا الصمت.
فقرة جديدة. ١٨
ومما عرفته عنه في الفراسة والحفظ أننا التقينا بولد شاب عمره في العشرينات قال له هل تخص فلان؟ فأخبره أنه حفيده ثم اردف الشاب يسأل العم زهران أن كان يعرف أباه ؟ قال لا. ولكني أعرف جدك يوم أن خطب جدتك وكانت بعدها لم تلبس اللحاف ، يعني انها لم تبلغ مبلغ النساء ومع ذلك تعرف على الحفيد دون أن يرى أباه وكثيرا من مثل هذا .
فقرة جديدة. ١٩
موقف طريف
ذكر لي انه في الستينات من القرن الماضي جاء اليه شخص مصاب برمد العين جاءه ليلا طالبا منه ان يقطره بقطور يسمى الرسوَلْ يغسل العين ويخفف اوجاعها ، ولم تكن في ذلكم الزمان أنوار وكان العم رحمة الله عليه يحتفظ بالرسوَلْ في رف الغرفة وتحت الظلام اخذ المضرب ، وحينما وضع القطور على عين المرمود صرخ باعلا صوته وخرج من البيت بالم شديد.
امسك العم المضرب وفي الصباح اكتشف انه وضع الآيدين مطهر الجروح على عين المرمود بدلا من الرسوَلْ فتلبسه قلق وحزن شديدان وظل يترقب ما سيحدث لذلك المسكين ويدعو الله للتخفيف عنه ، وبعد عشرة أيام إذا بالمرمود ياتي لزيارته بصحة وعافية وعينه اصفى مما كانت عليه قبل الرمد ، فتنفس العم الصعداء ، واردف المرمود قائلا كان يخرج الوسخ من العين صلافا ولكنه اي الدواء كان موجعا وصدق من قال بو ما يحرق ما دواء.
فقرة جديدة. ٢٠
لقد أشرت في بعض مما كتبت أن العم زهران بن محمد بن سالم العبري كانت له محاولات شعرية في معظم أغراض الشعر ويسرني هنا أن أضع قصيدتين كانموذج لتلك المحاولات ولعلَّ قصيدته الأهم والأقدم هي لأخيه المغفور له الشيخ عبدالله بن محمد بن سالم العبري ويفهم منها أنها رد إما على رسالة أو على قصيدة أظهر فيها أخوه عبدالله قلقه من انقطاع الاخبار وهي كما اوردها العم الشيخ محسن بن زهران العبري في نبذة كتبها عن والده .
(جوابا لجناب الأخ المحترم النزيه أبي زيد عبد الله بن محمد بن سالم العبري فقلت:
سلامي على الخل الوفي ذوي الكــرم
أخانا أبي زيد أخا الحلمِ والحشم
له الشرف العالي له المجـد والثنا
له العز والإجلال والحلم والشيــــم
هو الأسد المقدام في كل وقعة
إذا قابل الهيجاء داخله الغــــرم
فقولك قد وافان في غير منــــزل
بوادي بني كلبان هم سادة الأمم
فهذا جوابا بعد ما كنت فارغـــــا
فخذه صريحا يجلي الهم والضرم
فأخبار هذيِ الدار ساكنــــــة على
سرور وأنس دائما ليس ينصرم
فلا زلت مسرورا بكل عشيــــــــة
بحج و عيد دائمان على القـــدم
تقبل هناك عايدا بمســـــــــــــــــرة
وبالجود والإحسان والفضل والنعم
وبالخبر والخيرات والبر والتقــــى
علينا ولم نلق لتعــرف ما برم
عرضت سؤالا أنكم في توشـــــل
علينا ولم تلق لتعــرفَ ما بُرم
فلما أراد اليسر قمنا بلحظــــــــــة
وتأخرنا من ربنا الواحد الحكـم
فلما وصلنا حول ذي السـدرة التي
لها لقب النزعات بل ليس بينكم
فنحن على قصد وعزم إليكـــم
فلم نر مكروها له الحمد والنعم
رأيناك قد واجهتنا بمســــــــــــرة
وود وحب دائما ليس ينعـــــدم
قدمنا إلى دار لها العز والوفـــا
وثم إلى ذاك المنازل والظلــــم
قدمت إلى أب لنا هو نـــورنــــا
محمد القاضي هو بدرنا الأشـم
فأخبرته سرا بأنك راجع
لم تبدي عنا أن نحن على قدم
وها نحن قد بادرنا حالا بنفســــنا
وسيدي المذكور والأخوة كلهـــــــم
لبثت حذاكم بعد يوم وليلـــــــة
ومن بعد حاولنا الرجوع لفقدكم
فلما وصلنا حول نصف مســـيرنا
تلقوا لنا صحب بسير على قدم )
تمت
أمَّا القصيدة الثانية فهي كذلك منقولة من ترجمة الشيخ محسن بن زهران في والده وموجهة لابن اخيه الدكتور علي بن هلال بن محمد العبري وقت ان كان يدرس في المملكة الاردنية الهاشمية وفيها من النصائح والارشادات له على الجد والاجتهاد وهي على النحو التالي :
(وهذه الأبيات حررتها هدية للولد علي بن هلال يومئذ قائما يدرس في الأردن أول سنة في دراسته في الأردن وأرجو قبولها مني وشكرا لقبوله وأسأل الله تعالى أن يوفقه لما يحبه ويرضاه:
أبتدى الصلاة على النبي محمد
خير الأنام رسولنا المغفور
أيضا سلامي للذي هو نائيٌ
عنا عن الأوطان راحَ خبيرُ
أعني علي أبوك باسل
أرجو بأنك طالب مسرور
أرجو نجاحك في امتحانك دائما
فالعلم نور في القلوب منير
تقوى عليه بهمة وشجاعة
حتى تمر طريقه المستور
تمشي إليه براحة وسهالة
وتزول عنك شدائد وخطور
تأتي إلى الأستاذ بالك حاضر
في الرد ما يطلبه منك حظور
تمشي تعد الزاد حال لقائه
تأتي إليه عشية وبكور
تلقى المدرّس أنت جئت بفرحة
عند اللقاء سؤاله منشور
وتكون عند لقائه في بهجة
لما يرى قابلته مسرور
حتى يكون مشِّوقا بحضوركم
يوم الغلاة وقلبه موفور
لما ترى الكسلان بعدنههنت
تأتي الدراسة منهج ميسور
ما تهوى إليه بفرحة
طول الليالي باحثا وصبور
أصبر فان الصبر باب للغنى
فالصبر مفتاح عليه أُجور
الله يعطيك القضاء بسرعة
يمنن عليك برزقه المستور
تهنى بطول حيتكم
تحظى بحظ وافر وكثير
بشكر للإله مقدم
بالعز والإيمان ليس كدور
البلاد وأهلها بعطائه
مع والديك وإخوة كبدور
إقبل خطابي كل ما قدمته
في رغد عيش هانئن ونمير
فاسمح ضعيف النحو لم يك شاعر
وبفضله وبجوده الموفور
يهدي إليك القول جد محمد
إن كان في القلب تراه عبير
اهدي سلامي كل من حاورته
لكن فأرجو الصفح منك سمير
ولد لنا وحبيبنا وعزيزنا
ومحمد جد لهم ووقور
عم السلام إليكم بتحية
وسهرت معه ليلة وبكور
في كل يوم أسفرت شمس الضحى
عبد الإله وصحبكم ميسور
عد النجوم وكل ما هب الصبا
ما صاح طير ضحوة وسحور
ثم الصلاة على الرسول محمد
في كل يوم ألسُنا ودهور
يحمل سلامي نحوكم معطور
منه الهدى والحق ثم النور )
تمت
فقرة الختام
حين عزمت الوقوف على جوانب من شخصية عمنا الكبير الشيخ زهران بن محمد بن سالم العبري لم يكن ليصل طموحي الإحاطة الشاملة فذلك يتعذر علي فيما لو كنت أقف بين يديه سائلا وهو يجيب فكيف وأنا أتحدث عنه بعد غياب بلغ ما يزيد على ربع قرن من الزمان ، ومع ذلك فقد تمكنت ذاكرتي من استرجاع بعضا من ومضات تلكم الايام بما اعترتها من لحظات جمعت بين السرور والاحزان ، وكان لها ما كان من أثر غير منكور في مسيرة الحياة التى دامت واحدا و ثمانين عاما كانت كلها كفاح مطبِّقا ما جاء في الاثر ( إعمل لدنياك كأنك تعيش مخلدا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدا) وقد راينا كيف انه جاهد حتى آخر يوم من حياته.
لقد شرفت أيما شرف بما كتبته عن العم زهران في هذه الأسطر معترفا بعجزي وتقصيري واضعا في الاعتبار أن لا أخرج عن الموضوعية فيما كتبت ، ضارعا الى المولى سبحانه اللطف به والعفو والرضى عنه وعدم تحميله أيا مما كتبت عنه فقد صار بين يدي الرؤوف الرحيم لا حول ولاقوة له ، وارجوه ربي ان يغفر لي الزلل والخطل فيما زاد أو نقص ، آملا أن تكون لهذه النبذة البسيطة أثرها في نفوس الأجيال القادمة من الاولاد والأحفاد. والحمد لله رب العالمين.
غصن بن هلال بن محمد العبري



أحدث التعليقات