*اللطف في القضاء والقدر*
لم أكن قد جاوزت السادسة عشرة حين كنت المعني بأعمال المزرعة الخاصة بوالدي.
ولم يكن العمل بالساعة او بالدوام الذي نعرفه اليوم ، كان طلوع الفجر وحضور الليل هو الإطار الزمني الذي نعمل خلاله
كما لم نكن نعرف ما يسمى في هذا العصر بعطلة نهاية الأسبوع .
وكما هي عادة بلادنا الحمراء بفعل تضاريسها ، محلها أكثر من خصبها ومع ذلك كانت الأمطار ترفع سريعا من مستوى الحوض المائي باعتبار أن المضخات المستعملة تعمل بالديزل وكانت نسبة المياه المستهلكة لا تقارن مع ما يحدث هذه الأيام بفعل المضخات التي تعمل بالكهرباء
القادرة على سحب المياه من أعماق الأرض .
لقد كنا نعاني من تذبذب حالة المياه بنقل المكاين (جمع مكينة وتعني المضخة) من مستوى لآخر فما أن تظهر بوادر الجفاف حتى نبداء بإنزال المضخات لأعماق الآبار من مستوى الأعلى إلى الانزل مع ثقل وزن المضخات التي تزيد على خمسمائة كيلو جرام.
ثم إن نزلت الأمطار تعود المياه للصعود وقد يحدث ذلك فجأة مما يؤدي إلى غرق المضخات لترى في البلدة حركة غير عادية إذ يتنادى المواطنون إلى التجمع لحمل تلك المضخات بعد جهد شاق من قبل رجال الغطس لفك براغي تلك المضخات ورفعها من قبل عدد من الناس يتجاوز العشرة أشخاص.
لقد عايشت ذلك الحال سنوات وحدثت خلالها حوادث كثيرة قد يأتي يوم أجد فيه الوقت مناسبا للحديث عن بعضها إمَّا لطرافتها أو لشدة خطورتها كما هو الحال مع ما حدث لي .
فذات يوم وكان المحل في الحالة الاشد .
كانت المكينة (المضخة) في الكرسي الثالث في الغِلْوَة و(الغلوة تعني فراغ طيني بين طبقتين صخريتين ) يتم استغلالها لوضع المضخة لتكون أقرب ما يكون من مستوى الماء في تلك المرحلة فإن لم توجد (غلوة) يتم استحداث سقف مسلح على إحدى زوايا البير ليتم وضع المكينة ( المضخة) عليه.
لقد كان أقصى ما يمكن تتحمله تلك المضخات من بعد الماء ستة أمتار ( ٢٠قدم ) ولأن الحوض المائي واحد فقد كان يحوي كل بير ثلاثة كراسي أي ثلاثة مستويات ( الخصب ، الوسط ، المَحْلْ) .
نعم كانت المكينة في كرسي المحل وكان علينا أن ننزل لتشغيلها عبر ثلاث وسائل مجتمعة .
الوسيلة الأولى درج عادي كالذي يقام في المنازل يؤدي إلى خسلة المكينة ( والخسلة تعني الحفرة وكانت تحفر إلى جانب البئر بعمق يتناسب و أقرب مستوى لحالات الخصب.
الوسيلة الثانية (مَرْدْمَة) وتعني سُلَّمَاً يتم صنعه من جذوع النخيل وكانت تلك المردمة عبارة عن نخلة كاملة وتودي إلى كرسي حالة المياه الوسط.
الوسيلة الثالثة حبل متين يتم ربطه و من خلاله يتم النزول إلى كرسي المَحْلْ .
كان عليَّ النزول كل يوم مرتين إلى قاع البير لتشغيل المضخة
أمَّا إطفاء المضخة فقد تمت معالجته بحبل ممدود من المضخة إلى السطح مربوط في الأسفل بمسمار الإطفاء
يتم سحبه من الأعلى لتتوقف المضخة .
لقد تعاقبت حالات الخصب والمحل لمرات عديدة فيما بقيت تلك المردمة في موقعها تغرق في حال الخصب وتجف عند نزول مستوى الماء ولم يخطر ببال أحد أن تلك المردمة
قد ياخذ منها (الخَرَسْ)( تعني تهتك الأجزاء الداخلية في الجذع ) فيضعفها.
وعند الساعة التاسعة صباحاً
أخذت طريقي نحو النزول إلى المكينة في الكرسي الثالث نزلت عبر الدرج ثم المردمة واخيراً أمسكتُ بالحبل متدليا حتى وصلت إلى الكرسي الموجودة به المكينة .
وقبل ذلك كنت أنزلتُ بحبل آخر (جالونين ) من الديزل .
وكما هو حال محركات الديزل
فإن المضخة تنفث كثيرا من الدخان لذلك يتوجب عليَّ الصعود إلى السطح بأسرع ما يمكن .
لم تكن المياه في البئر تكفي للزمن الذي عادة تستحمله المضخة بين ثلاث ساعات ونصف إلى الأربع ولذلك كان يجري تعميقها وبعض أدوات الحفر كانت موجودة من مثل الهْيَبَةْ ( جمع هِيِبْ) عمود من الحديد الصلب مقاس ٤٠ أو ٥٠ ملي. والمُكَادْ ( جمع مَكَدَّة) مطرقة ثقيلة الوزن والمسامير المُدَبَبة التي يتم بها تفتيت الطبقة الصخرية في قاع البئر.
قمتُ بكل ما يلزم من فحص للمكينة أو المضخة من مستوى الآيل الى حال خزان الديزل وعدم تسرب أيِّ من مواصيره وتأكدت من أن مسامير ( الكوب لين) كانت ما زالت جيدة و(الكوب لين هو مكان التقاء محرك الديزل مع محرك مراوح شفط الماء ) كل ذلك في سبيل أن أسارع للصعود بعد تشغيل المضخة خشية الدخان .
*لحظات وقوع القدر*
أمسكت (بالهَنْدَلْ) ذراع يتم به إدارة المضخة قبل إنزال مسمار قشط النار في مادة الديزل .
اشتغلت المضخة محدثة ذلك الصوت الشبه مدفعي والدخان المتراكم فوق بعضه وفي أقل من دقيقة كنت قد أمسكت بالحبل صاعدا ثم بسرعة أخذتُ أصعد عبر المردمة واثقا من قدرتي وخبرتي اليومية متشبثا بتلك المردمة الطويلة طول النخلة السامقة حتى لم يعد بيني وبين الرفصة التي أترك معها المردمة إذا بها تنكسر وتأخذني معها إلى الأسفل.
لم أشعر إلا وقد توقفت القطعة التي أحتضنها عند مستوى المضخة فشعرتُ أنني أستطيع الانتقال من تلك القطعة إلى حيث المضخة لكن في أقل من ثلاثين ثانية أخذتني مرة أخرى معها إلى قاع البئر ذي الماء الضحل الذي لا يزيد على أربعة أقدام والملغم بكل أدوات الحفر .
لقد كنت محاطا بعناية الله ورأفته إذ لم أشعر بأي الم او جزع ولم اصب في جسمي بجرح ولا كسر سوى جرح بسيط أعلى حاجب العين اليمنى لكنه لم ينزف.
لقد تجاوزتُ مرحلة الخطر الكبرى لكنني الان في قاع البئر
والمكينة باصواتها المرعدة تحول دون سماع طلبي المساعدة ولا أستطيع الصعود دون ذلك ، لأسباب منها أنني استشعرت عظم ما قد حصل لي فاصبتُ بخوف شديد اهتزت له نفسي .
ثم عدم وجود وسيلة أتسلق بها بشيء من الحبال .
وقد حاولت الصعود من بيب المضخة لكنني لم أتمكن لكونه زلطا بسبب الطحالب العالقة به
فأصبتُ بحيرة في أمري ،
وأخيرا خطرت ببالي فكرة أن أقوم بحجب الماء عن المضخة
عسى ولعلَّ أحد يمر بمصب الماء فيعرف بانقطاع الماء فيقوم بإطفاء المكينة وحينها ربما يسمع ندائي.
إنها إحتمالات فقط قد تتحقق وربما أن من سيقوم بإطفاء المكينة لن يتوقف سيذهب إلى حال سبيله ولكن ليست عندي من حيلة إلا تلك.
ولقد اهتديت إلى ذلك لعلمي أن صوت المضخة حين ينقطع الماء يكون مختلفا وذلك الصوت معروف لدى الجميع
ولذلك يسارع كل من يسمع صوت المضخة على ذلك النحو بإطفائها.
أخذت فالينتي ووضعتها عند فوهة اللَّغابْ (هكذا كانوا يسمونه وهو موضع به كاللسان حين تقوم المضخة بالشفط يرتفع للأعلا فيصعد الماء وحين تنطفي ترجع تلك اللسان لتبقي الأنبوب مملوءً بالماء تسهيلا لعملية الشفط مرة أخرى حال تشغيل المضخة.
وربما كان تسميته باللغاب لأن اللسان تلك كلسان الكلب )
استمرت المكينة تعمل دون ماء
وقت غير قصير مما كاد الخوف
يخامرني على سلامتها فقد لا يأتي من يوقفها وحتى لو قمت بإزالة السداد فإنها لن تعود للشفط لدخول الهواء .
لكن من حرزني من خطر السقوط سيحرزني من الخطر الأقل
اطفئت المضخة وكان من حسن حظي أن من اوقفها شخص حرص على أن يناديني ليخبرني بسبب إيقاف المضخة
لاعتقاده أنني أسقي ولكي يطمئنني أنه هو من أوقفها وليست متوقفة عن عطل.
إنه الوالد سالم بن محمد بن مبارك النبهاني عليه رحمة الله وغفرانه.
بادرت مباشرة برفع صوتي
لأقول له أنني داخل البئر ولست خارجه.
وطلبت منه أن ينزل حبلا مربوط به قفير (وعاء من سعف النخيل يتسع لعشرة كيلو جرام من القمح) ولم أخبره بشيء غير ذلك.
لقد أشرتُ في حديثي إلى أنه يتم تعميق البئر ونتيجة لذلك
كانت توجد وسيلة الجذب المناسبة .
لقد أنزل الحبل فوضعت أقدامي بداخله وأمسكت بالحبل وطلبت منه أن يجذب الحبل ولم يكن يعلم ما يجذبه
ولم تكن في ذلك الوقت تتقدمني كرشي فقد كان وزن جسمي لا يتجاوز الاربعين كيلو جرام وكنت احاول التخفيف من الثقل من المسك بجدار البئر حتى وصلت إلى السطح فاندهش قائلا لماذا لم تصعد بنفسك ؟هل بك سوء؟ قلتُ له
أنظر إلى الطوي (باللهجة العمانية هي البئر ) هل تلاحظ شيء ؟ لم ينتبه إلى خلو البئر من المردمة .
اردفتُ قائلا أين المردمة؟
حينها سقط رحمة الله عليه على ركبتيه من هول ما سمع واستشعار ما قد مررتُ به.
فجلسنا أنا وإياه بين البكاء والضحك حامدين الله سبحانه وتعالى على لطفه وشاكراً له أن جاء لإيقاف المكينة لطول الزمن الذي انقطع عنها الماء.
هذه من إحدى ذكريات ذلك الزمان الصعب الذي صنع منا رجالا وأخرج من بيننا أبطالاً.
إننا لا نبكي عليه بقدر ما نستذكره لنشكر النعم التي حبانا بها الله في ذلك الزمان
ليوصلنا بنعم أخرى متتالية في هذا العهد المبارك .
اللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك و عظيم سلطانك
نسألك العفو والعافية لمولانا جلالة السلطان قابوس المعظم ولي ولكل عماني مخلص غيور
ولمن يقرأ هذه السطور .. اللهم آمين.
غصن بن هلال بن محمد العبري
مسقط ٩ / ١ / ٢٠٢٠ م



أحدث التعليقات