لا أذكر أنني فقدت مالاً بسرقة أو سقوط في مكان أو نسيانه في موضع لم أجده فيه ، لكنَّ
أغرب ما حدث عندي ولا أنساه أبداً أنني كنت موظفا في ولاية منح وكان أن تشرفت بالمشاركة في إعداد حفل افتتاح حصن الشموخ ( حفظ الله من شيده وأمده بالصحة والعافية) وفي الأيام السابقة على الافتتاح كان قد كلفني سعادةالوالي الشيخ معضد بن محمد بن عبدالله اليعقوبي *شاكراً له ثقته* باعتباري نائبه ببعض الأعمال المتعلقة بصرف مبالغ على وجبات إطعام المشاركين في العروض وإيجار الحافلات التي تنقلهم.
فكنت من خوفي وشدة حرصي أحملها معي بعد الدوام الرسمي.
وذات يوم خرجت من المكتب حاملا حقيبة بداخلها كل ما يتعلق بالأوراق الثبوتية وبطاقات البنك ونثريات الاحتفال وحينما وصلت عند السيارة اكتشفت أنني قد نسيت المفتاح فوضعت الحقيبة في دعامة السيارة الأمامي وعدت لأخذ المفتاح.
نسيت الحقيبة في موضعها وانطلقت متجها إلى نزوى ومنها قاصداً للحمراء عازما على تناول الغداء من مطعم في مدينة نزوى.
انطلقت بسيارتي *السبورتاج* وعند مفترق طريق بلدتي معمد والمعرى مجاوزاً بلدة الفيقين أحسست أن الهواء يدخل من زجاج إحدى نوافذ السيارة فإذا بربلة الباب منثنية عن موضعها فتوقفت إلى جانب الشارع وعملتُ على إعادة الربلة في موضعها ولم تخطر على ذهني مسألة الحقيبة.
واصلت سيري حتى كدت أن أتجاوز بلدة فرق وقبل أن أصل إلى المطعم ربما بنصف كيلو متر التفت باحثا عن الحقيبة لكي أخذ منها قيمة وجبة الغداء.
حينها تذكرت الحقيبة وأين كنت قد وضعتها فقررت الانعطاف سريعا لكي أعود للبحث مستيقنا أنها لا يمكن أن تكون في موضعها من السيارة، وقبل أن أتمكن من الانعطاف إذا بسيارة الشرطة تعطيني إشارة تحذير لخطورة الموقع الذي أنا فيه.
في تلك اللحظة كادت أن تصيبني جلطة وفي نفسي أقول ألم تكن مصيبة واحدة تكفيني حتى تأتي الثانية ؟
نزلت من سيارتي ليبادرني الشرطي بالقول مالك يا رجل
تريد الانعطاف في مكان خطر كهذا ومن غير تفكير؟!
أجبته مصيبة نزلت على رأسي، فقد سقطت مني حقيبة وتذكرتها هنا وأخشى أن أكون قد فقدتها، وبابتسامة عريضة قال الشرطي هذه حقيبتك وهذا قلم قد سقط منها تفضل.
عجبت للشرطة كيف عرفت أنني صاحب الحقيبة لتبادرني بها فورا ودون السؤال عن محتواها للتأكد من صحة أقوالي.
سألتهم كيف عرفتم أنني صاحب الحقيبة؟
قالوا مررنا عليك متوقفا بسيارتك ثم لما عدنا وجدنا الحقيبة حيثما كانت السيارة
فلما رأيناك الآن عرفنا أن الحقيبة لك.
ويبدو أن الخروج من الشارع المزفلت قد أحدث اهتزازاً حمل معه الحقيبة للسقوط فكان ما كان.
نعم هكذا هم الشرطة المتميزون بدقة الملاحظة وربط الأحداث بمسبباتها وبمثل أمانتهم تلك تحفظ الأوطان
فما أعظمهم من رجال وما أفطنهم ، تجسدت أمانتهم
وذكاؤهم في أروع صورة ، إنهم حتى لم يفتحوا الحقيبة. فتحية لهم على ذلك الخلق الرفيع الذي تحلوا به وسأبقى أذكر لهم ذلك الفضل،فكنت يومها سأفقد كلما لدي من أوراق وافقد ما يقارب من عشرة آلاف ريال عهدة في ذمتي ، ولا أدري كيف كان سَيُحل الأمر.
لقد تأكد لي من تلك الحادثة أن الحلال أبداً لا يغيب فقد مررتُ بحالات كثيرة من قبل ، لكن هذه الحادثة هي الأغرب فما الذي جعل الشرطة تمر في لحظة توقفي وتركز على نوع السيارة ومكانها؟ ثم ما الذي جعلها تعود بتلك السرعة ؟ فلو لم تعد إلا بعد وقت طويل أو لوكانت قد واصلت مسيرها نحو بلدة عِزّ لتعود من طريق آخر لكانت الحقيبة قد فقدت خاصة بسبب وجود ذلك المبلغ ، فالحمد لله على أنْ قدر ولطف لتبقى ذكرى الشموخ في قلبي مملوءة بالذكريات الجميلة.
يقظة الشرطةوأمانتهم


أحدث التعليقات