اليوم التاسع عشر من نوفمبر المجيد ثاني يوم العيد الوطني
الذي تُوِّجَ بالتشريف السامي لمولانا حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه الله ورعاه.
ومع أن الحال يقتضي أن تخلد النفوس قليلا إلى الدعة استجماما واستشعارا بفرحة العيد إلا أن الهاجس الوطني ما فتئ يطل علي مرة تلو أخرى ويحثني على الكتابة فيما أنا بصدد طرحه ألا وهو مستقبل التنمية الحقيقية في هذا البلد
من منطلق استغلال الطاقات البشرية الحقيقية التي أسهمت هذه النهضة المباركة في تفجيرها لدى الشباب.
إن المتتبع لمخرجات التعليم من الجامعات والكليات المتعددة في السلطنة يمكنه ملاحظة ظاهرتين هامتين
أولهما العدد المتزايد من الخريجين عموما
وثانيهما أن عدد الإناث يكاد يفوق عدد الذكور.
والنتيجة المتوقعة من الأولى أن أعدادا كبيرة ستتكدس في العرض مقابل الركود في الطلب
إذ لا يبدو مما هو ظاهر للعيان أن هناك خطة معقولة يمكن من خلالها ايجاد فرص حقيقية لاستيعاب تلكم المخرجات في سوق العمل.
وامَّا النتيجة الثانية فهي أنه في ظل مساواة تكافؤ الفرص بين الجنسين في سوق العمل
فسوف ترجح كفة الإناث على الذكور مما يعني أن مفاصل التنمية قد تصبح في يد الإناث أكثر مما هي في يد الذكور.
وأرجو أن لا يفهم من كلامي هذا أنني متعنصر ضد المرأة
بل هو وصف لما قد بدأت طلائعه تظهر على السطح
فبعد أن كان مجال تخصص الفتاة منحصراً في الطب والتمريض والصيدلة والتدريس أصبحت اليوم تنافس الشباب في كافة فروع المعرفة بل إن مخرجات التعليم تكاد تعطي دلائل واضحة على تفوق الفتاة لما وهبها الله من صفاء الذهن ووداعة النفس وخفة حمل المسؤولية الحياتية فكل شيء مقدم للفتاة منذ طفولتها وهي غير معنية بحمل أعباء المستقبل ولذلك تأتي نتائج الفتاة في التحصيل أفضل منها عند الشاب الذي تتم تغذيته بأنه عماد المستقبل وعلى سواعده تقوم التنمية فيما يرى من حوله من الشباب الذين سبقوه يتسكعون في الشوارع بعد أن فقدوا الدافعية نتيجة عجز المخططين عن إيجاد فرص عمل تعينهم على تكوين أسرة ، و في المقابل نجد أن الفتاة بعيدة عن هموم الحياة فهي إن لم تتوظف مكفولة وإن توظفت فعائد وظيفتها لا يكوِّنُ أسرةً ذلك ما أثبتته التجربة على مدى عقدين من الزمن .
فعمان قد احتفلت بثمانية وأربعين عاما من نهضتها المباركة التي رسمها لها جلالة السلطان قابوس ، ونظرته الثاقبة ما زالت تثبت صحتها يوما تلو آخر ليس لأنها ظلت ثابتة بقدر ما يتم توجيهها وفق مقتضيات الحال و الزمن و المصلحة العليا للوطن والامة ومن ذلك مثلا نظرته للمرأة العمانية وأهمية قيامها بدورها الاجتماعي والتنموي على المستوى الوطني بما يحقق المرامي السامية المتمثلة في النهوض بالأسرة والعمل جنبا إلى جنب مع الرجل لتشد من ازره ويرفع من مكانتها ودورها في تنشئة الأجيال فكان لها الكثيرمما نالته من رعاية واهتمام تعليما وتثقيفا وكان لذلك اثره في تنشئة جيل قوي هو ما نراه اليوم يسعى جاهدا لبناء وطنه.
إلا أن المنافسة في سوق العمل بين الجنسين تكاد تخرج عن مسار المؤآزرة والمناصرة إلى مجال المحاصرة والمصادرة فقد باتت الأولوية في فرص العمل مع ضآلتها تميل لصالح الفتاة مما يخشى أن يكون له اثر سلبي على مستقبل الوطن والأمة على حد سواء .
ومع أننا لا نتهم جهة بعينها في تعمد تجاوز المحددات التي ينبغي التوجه نحوها وفق رؤية مستقبلية واضحة إلا أننا نطالب باستحضار ما تطلبه الأمة من عوامل بقائها ويحتم استمرار نموها و ازدهارها في وضع السياسات بعيدا عن حساسية المساواة بين الرجل والمرأة ( فهما جناحان لطائر واحد) هكذا جاء التعبير السامي (ومهيض جناح على حساب آخر يعيق تحليق الطائر باتزان)
على أن الحقيقة التي لا مجال لإنكارها هي أن للمرأة وظائف حياتية تختلف تماما عن تلك التي للرجل .
فالمرأة تتعرض لحالات نفسية وجسمانية تحول دون قيامها بأعمال معينة ويمكن أن تقوم بأعمال أخرى أقل كفاءة من الرجل وفي أعمال أخرى تكون هي الرائدة لتناسب طبيعة تكوينها.
فهي في البيت سيدته وفي الأعمال متوسط الجهد تعطي بقدر ، إلا أنه لا يمكن الاعتماد عليها في الأعمال التي تطلب جهدا عقليا وجسميا .
لذلك ينبغي الأخذ في الاعتبار
ان تحدد التخصصات لكلا الجنسين بما يتناسب وطبيعة دورهما في الحياة.
كما أنه يؤمل من صانعي القرار أن يراجعوا سياسات التوظيف الحالية فالفتاة التي تشغل فرصة عمل يمكن للشاب شغلها في حقيقتها تعطل تكوين أسرة جديدة ، إذ لا ينتظر من تلك الفتاة أن تخطب شابا وتتكفل بإعالته وما ينتج عن ذلك من مسؤوليات في حين أن تلكم الفتاة حتى لو لم تعمل ستكون فرصتها أكبر في حياة أسرية هادئة حينما يشغل الوظيفة أحد الشباب.
كما يؤمل كذلك أن تراعي الجهات ذات الشأن علاج الوضع القائم من حيث تخفيف ساعات العمل على المرأة لتقوم بوظيفتها الطبيعية في البيت ولا بأس مثلا أن تخفض ساعات العمل إلى النصف وراتب الوظيفة كذلك ويمكن استغلال الفائض المالي بتعيين أخريات لتكملة الفترة الزمنية فتكون في الموقع فترتين ، وبالتأكيد أن قرارا مثل هذا سيقابل بالترحيب من النساء العاملات اللواتي نضجت عقولهن بالخبرة بعد أن عرفن مكانهن الطبيعي وبعد أن أدركن أهمية العناية بالأسرة وبعد أن شعرن بعدم القدرة على إعطاء طرفي المعادلة حقهما كاملا .
خلاصة القول
التماس أن تتم إعادة النظر في مجمل السياسات التعليمية والتوظيفية بما يسهم في تصحيح مفهوم المساواة بين المرأة والرجل.
فالدول التي نادت وتنادي بمساواة الرجل والمرأة لدى غيرها من الدول لا تنشد مصلحتها وإنما هي من باب (علىَّ وعلى أعدائي) بل إن الكثير من نساء تلك الدول تحسد المرأة العربية و العمانية على وجه الخصوص لما تتمتع به من حياة أسرية هادئة وتتمنى لولم تكن المرأة في دولهم مثلها مثل الميكنة مطلوب منها الكدح والكدح فقط.
فهل سيجد هذا الالتماس من يصغي إليه؟ وهل سيتسع صدر المرأة في بلادي لتتفهم ما نرجوه لها وللوطن من مصلحة على المدى البعيد ؟
ندعو الله سبحانه وتعالى التوفيق والسداد لكل موجه ومخطط ومنفذ على هذه الأرض الطيبة مختتما كلامي بالدعاء للباري جل في علاه أن يحفظ عمان ويطيل في عمر جلالة السلطان وينعم عليه بالصحة وكمال العافية .. اللهم آمين.


أحدث التعليقات