أين يكمن الخلل في النظام الصحي في سلطنة عمان ؟ وما هو الحل؟
سؤآلان طرحتهما على نفسي لكي يكون الرد نابعا من قناعتي لا مما يقال هنا وهناك وللبحث عن الإجابة جعلت من حالتي منهجا لرحلة طويلة كان اولها الذهاب الى المركز الصحي باعتباره اول نقطة انطلاق لمريض يبحث عن علاج لحالة تعتريه.
اليوم الأول
دخلت من بوابة المركز الصحي لأجد اعداد السيارات تشغل ما يقارب ثمانين بالمئة من مساحة المواقف التي تتسع لاكثر من مائة سيارة.
ولجت لباب المركز الصحي لفتح الزيارة لأجد أمامي عددا لا باس به حتى وصلت لنافذة الموظف المختص أعطيته رقم سجلي الطبي وخلال عملية فتح الملف قلت له ( بارك الله اليوم زوار المركز كثر)
أجابني ليس بأكثر من العادة هذا المستوى دائما إن لم يكن زيادة فليس بأقل.
شكرته على سرعة انجازه لفتح الزيارة واريحيته التي قابلني واتجهت الى الموظف المعني بادخال المرضى على الطبيب من خلال الدور المتعارف عليه
أعطيته الرقم الذي استلمته من موظف الاستقبال ، اشار إليه بيده اليمنى ان انتظر في المقعد .
انتظرت الى ان سمعت صوتا ينادي باسمي لقياس الضغط ثم عدت الى مقعدي الى ان طلب مني الموظف الدخول على الطبيب عرضت عليه حالتي وبعد التشخيص قال لي تحتاج لتحويل الى المجمع الصحي ليقابلك الاختصاصي هناك .
استغرقت زيارة المركز الصحي اربع ساعات ، وللامانة فان الاطباء يعملون ولكن الاعداد الكبيرة للزائرين فوق طاقتهم إذ يصل عدد الزايرين يوميا للمركز الصحي الى خمسمائة زائر.
لم يكن بإمكاني الذهاب الى المجمع الصحي في نفس اليوم لاقتراب نهاية فترة العمل الصباحية التي تستقبل خلالها التحويلات الطبية من المراكز الصحية فقررت الذهاب للمجمع الصحي في اليوم التالي .
اليوم الثاني
عند الصباح وقبل السابعة وصلت الى المجمع عامدا أن أجد فرصة في الوصول الى الطبيب في وقت اقصر مما استغرقته في المركز الصحي ، فإذا بالاشاوس من كبار الآباء والامهات الحنونات الذين لا ينامون بعد صلاة الفجر قد سبقوني واضحت صالة الانتظار سبلتهم الصباحية والسوالف ما شاء الله ، اصواتهم احيانا تربو على جهاز التلفزيون المعلق في زاوية من صالة الانتظار.
سألت احدهم متى تتوقعون الدخول الى الاطباء قالوا إن لم تأت حالة تمنع الاطباء من استقبالنا عند العاشرة ربما
قلت لهم ومثلي الذي جاء متأخرا ؟ قالوا الساعة الثانية عشرة .
أعطيت موظف السجلات ورقة التحويل
وسالته متى يمكن أدخل مع الطبيب قال
حسب الدور . قلت له ولكنني محول من مركز صحي قال لي كل الذين يأتون الى هنا محولون من المراكز الصحية ، فالنظام لا يسمح أن يأتي المريض من منطقة فيها مركز صحي إلا بتحويل فهالني العدد الكبير من السيارات الذي ملأ ساحة المواقف مع ان العدد الأكبر من السيارت تغادر ساحة المجمع بعد إنزال الزائرين ونسبة النساء الى الرجال من زوار المستشفى ثلاثة الى واحد تقريبا.
أخذت رقمي التسلسلي في الدور وخرجت من المجمع وأخذت أحسب الوقت بناء على كلام الشياب بارك الله في أعمارهم وعند الساعة العاشرة عدت الى المجمع لأجد الاعداد قد تضاعفت فحسبت أن حالة طارئة أحالت دون استقبال المرضى لكن تبين لي ان اغلب المبكرين قد أنهوا زيارتهم وان الاعداد الغفيرة تاتي تباعا ، وخلال وقت قصير دخلت على الطبيب الذي نصحني بالذهاب للمستشفى المرجعي لأخذ أشعة وتحاليل أكثر دقة ولم يبخل علي بورقة التحويل بعد تفكر وتدبر وتنفس الصعداء حتى خامرني الشك أن حالتي خطرة ، فسألته : دكتور هل حالتي صعبة أجابني كلا كلا . قلت له : اخفتني بتنفسك الصعداء قال إن الأطپاء في المستشفى المرجعى يعاتبوننا على كثرة التحويلات ويحثوننا على أن نعيد النظر مرة بعد أخرى قبل ان نحول المريض ، قلت في نفسي إذا سأجد المستشفى المرجعي أقل ازدحاما من المجمع الصحي طالما ان تحويل المرضى إليه بهذه الصعوبة.
اليوم الثالث
صباح اليوم الثالث أصبت بالتراخي بعض الشيء بناء على تحليلي أن الازدحام في المستشفى المرجعي لن يكون كبيرا من خلال كلام الدكتور محول الحالة فوصلت المستشفى الساعة الثامنة ومع سعة المواقف في المستشفى المرجعي بالمحافظة كدت ألا أجد موقفا في الجهة الأمامية المقابلة للعيادات الخارجية ، وعند موظف الاستقبال سلمته التحويل لفتح الزيارة ثم وجهني مشكورا الى إسم العيادة ، وجدت الزائرين هناك كأن على رؤوسهم الطير بألعكس تماما عما هو حال المجمع الصحي ، ولعل ذلك مرده القلق الذي ينتاب مشاعرهم ونفوسهم كما هي حالتي مع أن صالة الانتظار مملوئة من الجنسين.
اعطيت موظفة الاستقبال رقم التسجيل وورقة التحويل وعدت الى مقعدي غير آبه بحالتي بقدر ما انا غارق في الفكرمن كثرة الزائرين للمؤسسات الصحية على مستوياتها الثلاث على الرغم من عدم استقبال أية حالة من غير تحويل باستثناء الحالات الطارئة ، متسائلا كيف يمكن إن لم يكن حل المشكلة فالحد من تفاقمها.
وفجأة لمعت في ذهني مشكلة أخرى كانت تعاني منها السلطنة وقد سعت خلال اقل من عشر سنوات على تجاوزها بل و الحصول على الإشادة الدولية في حلها ألا وهي مشكلة الطرق .
فبعد أن كانت الطرق إما مسار واحد كما هو حال الطرق في محافظات الداخلية والشرقية ومزدوجة بمسارين في محافظات مسقط والباطنة وظفار أصبحت جميعها مزدوجة بمسارات عدة واستحدثت طرق جديدة كالطريق السريع الممتد من مسقط الى خطمة ملاحة والطريق البحري في ساحل الباطنة والطريق البحري مسقط ـ صور وطريق بدبد ـ صور الذي يجري تنفيذه حاليا ، ناهيك عن الطرق الداخلية في كل المحافظات وبالاخص محافظتي البريمي ومسندم .
تلكم الاطوال التي تمَّ انجازها خلال عقد واحد من الزمن والتي نقلت السلطنة الى مستوى عال من السمعة لم تات من فراغ وإنما سخرت لها أموال طويلة كما تفضل واشار الى ذلك مولانا جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم حفظه وابقاه.
ومع ذلك لا يكاد ينجز طريق ويتم فتحه للسالكين إلا ويلاحظ انه قد وصلت به حركة السير الى شيء من الازدحام وذلك يقودنا الى المقارنة بين المشاريع التي نفذت في مجال الطرق وما يشبه الجمود في مشاريع المؤسسات الصحية
لنطرح سؤآلا ، أليس اطراد الحركة في الطرقات وتناميها بصورة تكاد تكون مذهلة دليل على نمو سكاني مطرد يستدعي معه زيادة الانفاق على جانب الخدمات والمرافق الصحية؟!
فكم هي نسبة الانفاق على الجانب الصحي في السلطنة وهل هو مع المؤشر الذي تعمل به منظمة الصحة العالمية ؟
مما قراته ان متوسط ما ينبغي اعتماده للخدمات الصحية عالميا ثمانية في المئة من ميزانية الانفاق في حين ان التقرير العالمي يشير ان متوسط ما ينفق في السلطنة على الصحة بكل مفرداتها ومكوناتها لا يجاوز اربعة في المئة مما يشير الى مستقبل مظلم في جانب الخدمات الصحية إن لم يتم تدارك الأمر .
إن التغني بالمراكز الصحية المتقدمة التي تحصل عليها السلطنة بين فترة وأخرى لا تعطي مؤشرا حقيقيا للحالة الصحيحة لمستقبل الخدمات الصحية التي تعاني من الوهن الشديد.
مستشفيات مرجعية اربعة في محافظة مسقط لاينبغي ان تكون شماعة تعلق لعدم إنشاء مستشفيات على نفس المستوى في كل محافظة ، فمحافظة مسقط نفسها تحتاج الى تطوير بنيتها الصحية دون رجوع محافظات السلطنة إليها.
فهل من سيرفع هذا النداء الى ولي الامر ليامر بتسخير الاموال للصحة كما تفضل في مجال الطرق ؟ فالمواطن العماني يتطلع الى يوم ياتي فيه الآخرون من خارج سلطنة عمان لتلقي العلاج نتيجة سمعته لا أن يتقاطر العمانيون الى عاصمتهم ومنها الى الدول الاخرى ما بين مرسل على نفقة الحكومة و من هو ذاهب على نفقته الخاصة.



أحدث التعليقات