الوقفة الأولى
قرأت مرةً أنَّ شابا لرجل غني قد جمع من حوله مجموعة من الفتيان معتبراً أنهم أصدقاؤه وكان ذلك الشاب يغدق المال على رفاقه من خلال السهرات ووجبات العشاء و غير ذلك من المناسبات التي تخترعها أفكارهم الصبيانية وذات ليلة وحينما عاد الرجل الى منزله وجد ابنه ورفاقه يرقصون ويغنون ويعربدون وحولهم الموائد المتعددة الأصناف ، قال الأب لابنه : من هؤلاء ؟ أجاب : هم أصدقائي أصدقاؤك ؟! يا لكثرة الأصدقاء في زماننا هذا ، لقد كنا نبحث العمر كله عن صديق مخلص فلا نجده ، كان ذلك ما يدور في ذهن الأب دون أنْ يبديه لابنه ولكنَّه في اللحظة نفسها خطر له انْ يجعل من تلك المناسبة درساً يتعلمه الابن فقال لابنه أقلت أنَّ هؤلاء جميعهم أصدقاؤك !؟ قال نعم فهم إذا ليسوا أصدقائي وأنت تنفق عليهم من مالي أخرج أنت وهم من منزلي ولا تعد الى البيت الليلة .
وجد الشاب نفسه خارج المنزل ولم يفلح في إقناع أي من أصدقائه في أن يستضيفه ولو لليلة واحدة بل كانت الأعذار أسهل ما يقدمونه فأحدهم قال أنَّ منزلهم لا يتسع وآخر قال لا يوجد سرير زائد في غرفته وثالث قال أنَّ والده لا يعلم بالعلاقة التى تربطه بالشلة ، وما كان لدى الشاب بد إلا أنْ يعود إلى منزل والده منكسراً من هول الصدمة التي لحقت به .
لم يكن هذا هو الدرس الذي يريده الأب لابنه بل هي التهيئة فحسب ، وفي الوقفة التالية سوف نعرف المزيد
الوقفـة الرابعة مع حكايات :
حين جلست مع نفسي متأملا ما قد كتبته في الوقفات السابقة مع حكايات توصلت الى ما يشبه حقيقة أن الموضوع الذي اخترته ينبغي كتابته على مستويات عدة واقصد بالطبع المستوى العمري والعقلي والفكري فبينما الأطفال في نعومة أظافرهم يحتاجون الى تبصرة من يصادقون أشعر أن الكبار ربما يكونون أحوج الى الرجوع الى الفطرة والى الطفولة لإعادة تشكيل اتجاههم نحو الصداقة الحقيقية ولو على سبيل التذكير ، ذلك أن الخداع والزيف اللذين اصبحا يلفان الحياة المعاصرة قد غلفا الحقيقة بغلاف براق سرعان ما ينكشف عن انعكاس في الصورة الى الدرجة التي لا يستوعبها حتى واسع الخيال ، ذلك الغلاف هو ما يسمى بالعرف الدولي ( الدبلوماسية )
ان الدبلوماسية إن هي إلا الزيف والخداع والمكر واللصوصية والاحتيال لأن الدبلوماسية هي التي تجعل لكل كلمة ألف معنى ولكل حركة ألف مقصد ولو لا ذلك لما شهدنا اليوم من التحركات السريعة بين الصداقة والعداوة ، فالصديق في الأصل لا يصح أنْ ينعت بالصديق إلا حين يصبح أكثر من أخ ولا يمكن بذلك أنْ يتحول إلى عدو إلاَّ بأسباب تنزع تلك الصداقة كما تنزع الاخوة التي لا يمكن نزعها لأنها من النسب ، وأقول أن الصداقة تحتاج الى تقييم بميزان حساس ودقيق ربما لم تتمكن التقنية الحديثة على اكتشافه لأنها تبحث عن التعقيد لا عن التبسيط وإلا فان الميزان الحقيقي للصداقة هو المحبة فالمحبة تجعلك تحب لأخيك ما تحبه لنفسك وتكره ان يناله ما تكره أن ينالك والأصل في الإنسانية الأخوة التي هي أعظم من الصداقة إلاَّ أنَّ إنغماس الإنسانية نفسها في وحل الشهوات التي منها حب السيطرة والهيمنة على مقدرات الصغار من قبل الكبار هي السبب فيما تشهده الإنسانية اليوم من تردي وانحطاط .
فهل نعود الى المحبة كما فعل الأب مع ابنه التي دفعته ان يحب لابنه ما يراه محبوبا ولكن ما هي الحصة القادمة ؟


أحدث التعليقات