وصلتني قبل يومين رسالة موقعة من قبل الاستاذ الفاضل جابر بن موسى بن علي بن هلال العبري وهو يودع مقعده الوظيفي في وزارة التربية والتعليم بالسلطنة بعد مسيرة عمل حافلة بالعطاء دامت اربعةواربعين عاما .
ولانني أحد أترابه الذين عاشوا معه فترة من صباه واوائل فترة شبابه فإنني سأسمح لنفسي بالحديث عنه كشاهد عصر يفصح عن بعض من ملامح شخصيته التي كان لها الاثر البارز في مسيرة حياته العملية.
فمن هو الاستاذ جابر ؟
هوالابن الاول لوالده الشيخ موسى بن علي بن هلال بن سالم العبري المنتمي الى اسرة فاضلة من فخذ من افخاذ قبيلة العبريين يسمى اولاد ناصر .
ولمن لا يعرف الشيخ موسى بن علي بن هلال العبري اقول إنه كان شخصية قيادية فذة له مواقف سياسية معروفة على مستوى قبيلته وعلى مستوى الوطن
وكان على صلة وثيقة بالسلطان الراحل السيد سعيد بن تيمور طيب الله ثراه .
وكانت له نظرة ثاقبة واستشراف للمستقبل ، يؤكد ذلك اهتمامه الكبير بتعليم ابنه تعليما عصريا ، إذ كان يجلب له كتب القراءة للاطفال منذ نعومة اظفاره في اوائل الستينات من القرن الماضي . ولا يخفى على المطلعين أن للشيخ موسى بن علي اهتماما بالادب وله قصايد نظمها في اوائل النهضة المباركة. ولقد أعد شخصية ولده إعداد غير عادي إذ كان يغذيها تغذية يمكن وصفها بمفهوم العصر لتكون شخصية قيادية مؤثرة باسلوب عصره . رحمه الله وادخله له فسيح جناته …اللهم آمين.
لقد كان من المهم ان نلقي نظرة ولو يسيرة على كيفية النشاة التي نشأ عليها الاستاذ جابر بن موسى العبري لنفهم كيف انه تمكن من الانضمام في فترة مبكرة الى الجهاز الاداري للدولة فقد جاء في رسالته انه تم تعيينه في الوظيفة عام ١٩٧٢م وهو العام الثالث من عمر النهضة المباركة وكلنا نعلم انه قبل عام السبعين لم تكن قد فتحت اية مدرسة في المناطق الداخلية من عمان فلولا التأسيس المبكر لشخصية جابر من قبل والده وتعليمه وتثقيفه لما تمكن من الدخول الى معترك العمل الحكومي في ذلكم التاريخ الذي أشار إليه .
أثر شخصيته على مسيرة حياته العملية
يتميز الاستاذ جابر بن موسى العبري بشخصية قوية وإرادة صلبة لا تلين وعزم لا يعرف الكلل او الملل ، يتجلى ذلك في مواصلته للدراسة والتدريس في آن معا ثم في الانتقال مبكرا الى الادارة المتمثلة في مكتب الاشراف التربوي في حاضرة الداخلية مدينة نزوى الذي تم تحويله بعد فترة الى إدارة للتربية والتعليم بالمنطقة الداخلية ليكون الاستاذجابر بن موسى مديرا للادارة لما يقارب عقدين من الزمن شهدت المنطقة خلالها توسعا هائلا في أعداد المدارس والمعلمين وكان الاستاذ جابر خلالها قطب الرحى الذي تدور عليه العملية التربوية في المنطقة بل كان والحق يقال يشار إليه بالبنان باعتباره الشخص القدير والجدير بالمنصب الذي يشغله بل كان من قوة شخصيته يحسب له زايره الف حساب لعلمه أنه سيدخل على شخص ملم ويعرف كل صغيرة وكبيرة داخل منظومته الادارية سواء كان زائره موظفا في نطاق مسؤوليته أو كان مراجعا عاديا ، وكان منافحا ومكافحا عمن يقع تحت مسؤوليته بل كان علما إعلاميا لوزارته يبرز مناشطها ودورها الفاعل في بناء الامة ، وكان والحال كذلك ينتظر ان يجني من ذلك الجهد الطويل ثمارا من قبيل بقاءه في منصبه بعد ان يتم رفع مستوى الادارة في المنطقة الى مديرية عامة إلا ان الرياح جرت بما لم تشتهي السفن ففي اليوم الذي تم رفع مستوى الادارة الى مديرية عامة يتم نقل الاستاذ جابر بن موسى الى ديوان عام الوزارة .
لقد شكل ذلك القرار نقطة انعطاف في مسيرة الاستاذ جابر بن موسى العملية ولولا قوة شخصيته التي كثيرا ما اعرج عليها في حديثي لربما انزعج من القرار وآثر الفرار ولكنه لم يفعل لإيمانه بان خدمة الوطن لا تتم فقط من موقع واحد وانه يمكنه مواصلة العطاء من اي موقع كان ، مستفيدا من مسيرة حياة والده الذي تكسرت امام جلده وصبره كل الصعاب ولم يمنح مناوئيه يوما فرصة التلذذ بشعور النصر عليه.
والاسئلة التي تطرح نفسها بعد تلك المسيرة الطويلة. هل أنصف الزمن الاستاذ جابر ؟
وهل كان للاستاذ جابر ان يحقق طموحا اكبر لو انصفه المعنيون نظير تضحياته الطويلة ؟
ثم هل لشخصيته الصعبة الانقياد دور في تباطئ ترقيه في المناصب الوظيفية؟
إن الاجوبة على هذه الاسئلة تأتي من خلال السطور الاولى من هذا الحديث عن تعيينه المبكر عام ١٩٧٢م التي تعني أن شخصية الاستاذ جابر قد تشكلت منذ ما قبل عهد النهصة المباركة وانه لم يعمل كثيرا على تطويعها او لم يضطر الى ذلك في العقدين الاولين من حياته الوظيفية باعتبار انه موظف في منطقته ولا يلتفت كثيرا الى ما يسمى بلغة العصر الدبلوماسية التي هي في حقيقتها الممالقة وإظهار الخنوع والخضوع للاشخاص إعتقادا منه ان اخلاصه في عمله وبذله قصارى جهده كفيلان بانصافه في دولة توصف بالمؤسساتيه فيما الحقيقة أن لراي الاشخاص دور في تقديم هذا وتأخير ذاك.
وعلى هذا لا يمكن ان نقول ان المعنيين قد انصفوا الاستاذ جابر إلا انهم في نفس الوقت قد استوعبوه ولو على مضض لفترة ليست قصيرة انتهت بخروجه الى التقاعد دون ان يتمكنوا
من إعلان النصر عليه .
وامَّا الزمنُ فقد ظل شاهدا له لا عليه في انه قضى ثلثي عمره يخدم الوطن في السهل والجبل وانه قد وضع بصمة في مسيرة التربية والتعليم بسلطنة عمان
حتى لم يعد شبر من عمان لم تصل اليه اقدام الاستاذ جابر بن موسى العبري ولا يكاد معلم او معلمة في عمان لا يعرف من هو الاستاذ جابر بن موسى العبري وهذا بحد ذاته انصاف من الزمن .
واخيرا أيها الاستاذ المبجل رسالتك قد دخلت شغاف قلوب تدعو لك الله بدوام الصحة و تمام العافية و العمر المديد والعيش الرغيد لتنعم بحياة هادئة هانئة بعيدة عن المنغصات اليومية فذلك حق لك بعد رحلة العطاء تلك ، واسمح لاخيك واعذره انه قد تطاول على جزء بسيط من حياتك الخاصة.
غصن بن هلال بن محمد العبري



أحدث التعليقات