.بقلم غصن بن هلال العبري
لعلَّ الانسان لا يكشف له الغيب عن طول عمره وبعد منيته بشكل كامل لان ذلك من علم الغيب الا ان ذلك لا يعني انه يجهل تماما لان الله سبحانه قد ركب في الانسان العقل لكي يتدبر ويتفكر ولا يمكن لجهاز فائق كالعقل أن لا يصل ولو لذرة من المعرفة ترشده حتى ولو من باب التراكم وتركيب أجزاءالصورة على بعضها لتبدو له بعضا من ملامحها.
تقول أمي ـ يحفظها رب العالمين ويطيل عمرها معافاة ـ داحضة ما كنت اعتقده من ان العقدة التي في رأسي سببها سقوطي من غرفة بيت الادماني ان ذلك غير صحيح بل انها تؤكد عدم وجود اي رضض او كدم او جرح على جسمي من أثر السقوط حتى انه سرى بين الاهل ان الجن قد انزلوني من فوق امَّا أمي فتقول حمتك الملائكة.
لقد كانت تلك الحادثة مؤشرا لاستمرار حياة أطول بالنسبة لي لتأتي بعد خمسة عشر عاما حادثة أكثر من الاولى خطرا بمفهوم البشر لتؤكد أن الله سبحانه يريد أن يخرج من صلبي ذرية صالحة بحمد الله.
فما هي الحادثة الخطيرة الثانية ؟
قبل الاجابة عنها لا بد من الاحاطة بالضروف المحيطة بها لندرك الخطورة التي اتسمت بها.
فالوقت كان الساعة العاشرة صباحا و الفصل بين الشتاء والصيف، وحالة المياه محل. والموقع طوي المنيزف . والمضخة تعمل بالديزل.
ولا بد والحديث عن فترة تختلف تماما عما هو الحال اليوم أن نصف الحال بشيء من التفصيل.
حين بدأت عملية تعمير الطويان (الآبار)
لم تكن بعد قد عرفت المضخات التي تعمل بالكهرباء بل لم نكن بعد نسمع بالكهرباء ناهيك عن وجودها داخل عمان
لذلك كانت اول خطوة للاستعاضة عن الزيجرة ( استخراج الماء من باطن الآبار على الدواب بمساعدة الانسان)باستخدام مكاين تعمل بالديزل ويعد ذلك قفزة كبيرة نحو استخدام الميكنة في الزراعة ولكي تتمكن المضخة من جذب الماء لا بد أن تكون على مقربة منه بما لا يقل عن عشرة أقدام ولذلك لا من حفر حفرة موازية للبير اتساعها قد تصل الى ضعف البير وعمقها يتناسب مع مستوى الماء في باطن البير وقد جرى تسمية تلك الحفرة محليا بخسلة المكينة .
بالنسبة لطوي المنيزف كان مستوى الماء عند استحداثها عند عمق عشرين قدم ولذلك كانت الخسلة على ذلك المستوى ومع استمرار شفط المياه بالمكينة بدأت المياه تغور شيئا فشيئا فابتعدت المياه عن كرسي المكينة فتم تعميق جانبا من الخسلة لخمسة اقدام أخرى وانزلت المضخة في الجزء الاعمق.
ومع التوسع في الزراعة وتعدد الشركاء في الطوي تم تركيب مكينة ثانية استخرج لها سقف من نفس الطوي لتكون على نفس المستوى مع المكينة الاولى.
استمر نزول الماء الى الاسفل واصبحت المكاين لا تقدر على جذب الماء وكم هي الحيل التي اصطعنت لمساعدتها على الشفط من ذلك ترس البيب بالماء بحجة انه ربما المكينة شفطت هواء ، لكن كل ذلك لم يجد شيئا فبدء التفكير كيف يمكن انزال المكاين الى عمق اكثر لتكون اقرب الى مستوى الماء. وكما يقال الحاجة أم الاختراع .
مع نزول مستوى الماء في الطوي ظهرت طبقات الارض فكان من حسن الحظ ان وجدت ( غلوة) طبقة ترابية بين طبقتين جبليتين اتساعها اقل من خمسة اقدام بقدر ما يمكن للانسان ان يتحرك على طول قامته .
تم انزال المكينتين الى الغلوة فكان ذلك حلا للمشكلة وللوصول الى تلك المكاين تم تركيب (مردمة) درج من جذع نخلة كاملة يصل بين الكرسي الاعلا الذي كانت فيه المكينة والمكان الجديد.
وحينما غارت المياه اكثر فاكثر تم انزال المضخات الى كرسي ثالث أعمق
وهكذا صار علينا ان ننزل درجين ثم ننزل بحبل الى الموضع الثالث لكي نشغل المكاين ، استمر الحال هكذا عند الخصب ترفع المكاين للاعلا وعند الجدب يتم انزالها والمردمة مكانها ، تنغمر بالمياه في حال الخصب وتجف حال انحسارها في الجدب.
لقد عادت حالة الجدب مرة اخرى وكانت اكثر شدة مما استدعى تعميق الطوي فاحضرت لها العمالة التي ستعمقها ولم تكن عمان يومها تعرف العمالة الوافدة كان العمانيون انفسهم يشغلون كل شيء
بدأت عملية التعميق واستمرت اياما تتواصل وتتقطع .
وذات يوم لم يكن فيه عمل في التعميق أتيت لاشغل المكينة بقصد الروي وسقي الزراعة فنزلت وقمت بتشغيل المكينة التي كانت اصواتها شبيهة باصوات البنادق الآلية وكان الدخان المنبعث منها كافيا لاخفاء اشعة الشمس الساقطة على البير وكنت من ثقتي في نفسي لا امكث في الطوي بعد تشغيل المكينة اكثر من دقيقة اطمئن خلالها انها دفعت بالماء كي أهرب من الدخان .
أخذت أصعد في المردمة بنفس السرعة والثقة المعتادة حتى كنت في الرفصة قبل الاخيرة فانكسرت بي واخذتني معها ولم أشعر الا والمردمة محصورة بين جهدي الطوي عند مستوى المكينة ففرحت لاقل من عشرين ثانية ثم سقطت بي مرة اخرى الى قعر البير التي كانت شبه خالية من الماء وكان القاع
مشغولا بادوات الحفر من الهيبة والشيولات والاسطل والقفر ،فما وجدت نفسي الا كمن ركب طايرة انزلته بسلام لم يصبني مكروها الا كما وخزة الابرة اعلا حاجب العين اليمنى.
بقيت المشكلة كيف اخرج من قعر الطوي فلا احد يعرف بوجودي ولا انا قادر على تسلق بيب المكينة لانبه من الزلط بفعل المياه والطين اثر التعميق ما يحول من قدرتي على الصعود ، والمكينة تشتغل ولو ناديت من المستحيل ان يسمعني احد هذا انْ كان احد قرب المكان.
بقيت حائرا كيف اتصرف واخيرا لمعت في رأسي فكرة ان أقطع عن المكينة الماء وهي حين ينقطع عنها الماء يتغير صوتها وربما احد يسمعها فياتي ليطفأها
واطفاؤها سهل لا يحتاج للنزول فقط يرفع الخيط المربوط بالمكينة من الأعلا ليجدها توقفت ، وهذه العملية هي الاخرى تكتنفها اخطار فلو استمرت المكينة تعمل دون ماء لفترة طويلة ولم تجد من يوقفها ستحترق لانها تعمل بمبرد ماء ولكن الخيارات محدودة ولا سبيل غير ذلك.
قمت بقطع الماء واستمرت المكينة تشتغل لمدة ما يقرب من عشر دقايق قبل ان تتوقف.
توقفت المكينة وهذا هو الوالد العزيز والصديق الوفي سالم بن محمد بن مبارك النبهاني ينادي عليَّ يحسبني أسقي ليخبرني انه بنَّد المكينة أيْ اوقفها لان الماء مخلص.
ناديته انني تحت وطلبت منه ان ينزل الحبل الذي يستخدمه العمال في التعميق وطلبت منه ان كان يستطيع ان يساعدني في الجذب ، لم يكن يعرف انني في قاع الطوي ولكثرة دخان المكينة لم يتبين موقعي ، انزل الحبل وربطته في خصري وطلبت منه ان يجذب ، لقد ساعدني البقاء في قاع الطوي بعد سقوطي على استعادة رباطة جأشي وحيويتي ولذلك لم يكن الحبل إلا لضمان ان لا اتزحلق ولم يشعر الوالد سالم عليه رحمة الله بثقل يجعله يشك في حالتي ، إلا حينما وصلت للاعلا قال كأن شوكة قد طعنتك في جبينك قلت له انظر الى الطوي فنظر الى الطوي ولم ينتبه لخلوها من المردمة فقلت اعد نظرة فلم ينتبه فسئلته اين المردمة ، حينها صعقالرجل وسقط على ركبتيه لهول الموقف ، غفر الله له واسكنه فسيح الجنات ، ومنذ هذه الحادثة صار عندي من اليقين ان عناية الله تلاحظني وان حبل الحياة لا زال ممدودا ، وها أنا ذا جاوزت الستين عاما باربعة أعوام ونعم الله سبحانه ما تزال تتدفق عليَّ صحةً ومالا و بنينا . فالحمد لله رب العالمين على أن منحني فرصا كثيرة ليست هذه فحسب ولعلَّ يوما من ألايام تواتيني الفرصة للحديث عنها.
تعريف ببعض الكلمات : الهيب عمود من حديد الفولاذ . الحياة : حفرة الدور : البئر. الغلوة: طبقة ترابية بين طبقتين صخريتين.المردمة: درج يصنع من جذع النخلة كاملا .وقف ر جمع قفير : وعاء من سعف النخيل .



أحدث التعليقات